تحذير أممي يضع السودان بين بؤر الجوع الأعلى خطراً، فيما تكشف الحرب كيف يتحول تعطيل الزراعة والأسواق والممرات الإنسانية إلى أزمة معيشية واسعة.
سودان ستوري | ما وراء الخبر
لم يعد الجوع في السودان خبراً منفصلاً عن الحرب. كلما طال أمد النزاع، اتسعت المسافة بين الناس ومصادر غذائهم: أرض لا تُزرع، طريق لا يُفتح، سوق لا يعمل، ومساعدات تتأخر عن الوصول.
في تحذيرها الأخير، وضعت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي السودان ضمن أخطر بؤر الجوع في العالم، إلى جانب جنوب السودان واليمن والصومال وشمال شرق نيجيريا وغزة، باعتبارها مناطق مهددة بالانزلاق نحو المجاعة ما لم يحدث تدخل إنساني عاجل.
لكن أهمية التحذير تتجاوز مجرد الإعلان عن أزمة غذاء. إنه يكشف كيف صارت الحرب آلية لإنتاج الجوع: تعطيل الزراعة، تدمير الأسواق، نهب الأصول، قطع الطرق، وانهيار قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء أو إنتاجه.
أرقام تقترب من حافة الكارثة
بحسب أحدث قراءة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يواجه نحو 19.5 مليون شخص في السودان مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، أي ما يقارب 41% من السكان. ويشمل ذلك أكثر من خمسة ملايين شخص في مرحلة الطوارئ، ونحو 135 ألف شخص في مرحلة الكارثة، مع توقعات بتدهور الأوضاع خلال موسم الشح بين يونيو وسبتمبر 2026.
وتحدد البيانات الإنسانية 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان باعتبارها مهددة بخطر المجاعة في أسوأ السيناريوهات، خصوصاً مع تصاعد القتال وتزايد القيود على وصول المساعدات.
خلف هذه الأرقام، اقتراب ملايين السودانيين من نقطة انهيار أوسع: أسر تستنزف آخر مدخراتها، مزارعون يخرجون من دورة الإنتاج، أطفال يواجهون سوء التغذية، وأسواق تفقد قدرتها على العمل تحت ضغط الحرب وارتفاع الأسعار.
الجوع ليس كارثة طبيعية
خطورة الحالة السودانية أنها لا تقع في بلد بلا موارد. السودان بلد زراعي بتاريخ طويل في الإنتاج المطري والمروي والرعوي. لكن الحرب كسرت الصلة بين الناس والأرض، وبين المنتج والسوق.
في الحروب الطويلة، لا ينهار الأمن الغذائي دفعة واحدة. يبدأ الأمر بتعطيل الموسم الزراعي، ثم صعوبة الحصول على الوقود والتقاوي والأسمدة، ثم ارتفاع كلفة النقل، ثم تقلص حركة الأسواق، حتى يصبح الغذاء نفسه جزءاً من معادلة النفوذ والسيطرة.
لهذا يبدو وصف «الجوع كسلاح صامت» مطابقاً لما يحدث على الأرض. الطلقة تقتل في لحظة، أما الجوع فيعمل ببطء: يدفع الأسر إلى النزوح، ويجبر المزارعين على ترك الأرض، ويحوّل الحياة اليومية إلى معركة من أجل وجبة.
مشروع الجزيرة: حين تضرب الحرب قلب الإنتاج
لا تكتمل قراءة الأزمة دون التوقف عند مشروع الجزيرة، أحد أبرز رموز الإنتاج الزراعي في البلاد. فالمشروع ليس مساحة زراعية فحسب، بل شبكة حياة كاملة: قنوات ري، محالج، مخازن، ورش، طرق، مزارعون، عمال موسميون، وأسواق مرتبطة بدورة الإنتاج.
وفي تعليق لـ«سودان ستوري»، قال جاد كريم حمد الرضي، أحد قيادات مزارعي الجزيرة والمناقل، إن المزارعين فقدوا جزءاً واسعاً من البنية التحتية الزراعية خلال الحرب، مشيراً إلى أن إعادتهم إلى دورة الإنتاج ستحتاج تمويلاً كبيراً وخطة تأهيل واسعة تشمل إصلاح الأراضي والقنوات وتعويض المعدات المفقودة أو المدمرة.
تضع هذه الإفادة الأزمة في إطارها العملي: توقف المعارك لا يعيد الإنتاج تلقائياً. فالمزارع الذي فقد معداته، أو تراكمت عليه الديون، أو تضررت قنوات الري في منطقته، لا يعود إلى الأرض بقرار إداري وحده.
الحكومة تتحدث عن التعافي
في المقابل، تقول الحكومة إن مشروع الجزيرة حاضر ضمن خطط التعافي الزراعي. فقد أكد رئيس الوزراء كامل الطيب إدريس، خلال زيارة سابقة للمشروع، أن تعافيه يمثل تعافياً للاقتصاد القومي. وتحدثت وزارة الزراعة عن خطة إسعافية لإعادة تأهيل عشرات المشاريع، إلى جانب خطة أطول مدى لإعادة بناء القطاع الزراعي بين 2026 و2030.
لكن الفجوة بين التصريحات الرسمية وواقع المزارعين تظل جوهر السؤال. فالتعافي لا يُقاس بإعلان الموسم الزراعي أو توفير مدخلات محدودة، بل بقدرة المزارعين الفعلية على العودة إلى الحواشات، وتدفق المياه في القنوات، وتوفر التمويل، وحماية الأسواق والطرق.
كل فدان يخرج من الدورة الزراعية اليوم يتحول غداً إلى عبء على سوق الغذاء، وكل تأخير في إصلاح القنوات يعني موسماً مهدداً وأسرة أقل قدرة على الصمود.

