نيالا/بورتسودان — Sudan Story في الثامنة من صباح الأحد 7 يونيو 2026، جلس آلاف الطلاب والطالبات في قاعات الامتحانات بمناطق سيطرة الإدارة الموازية التي أعلنتها قوات الدعم السريع وحلفاؤها تحت مسمى “حكومة التأسيس”. بالنسبة لهؤلاء الطلاب، بدا المشهد أقرب إلى استعادة حق مؤجل بعد سنوات من الحرب والانقطاع الدراسي وعدم اليقين. لكن ما جرى في نيالا ومدن أخرى يتجاوز كونه استحقاقاً تعليمياً عادياً. فامتحانات الشهادة الثانوية ليست مجرد اختبار أكاديمي، بل إحدى آخر المؤسسات الوطنية التي حافظت لعقود على رمزيتها الجامعة في السودان. ولهذا فإن تنظيم امتحانات موازية يطرح أسئلة تتجاوز التعليم إلى مستقبل الدولة نفسها. بالنسبة للطلاب وأسرهم، تبدو الأولوية واضحة: عدم ضياع سنوات إضافية من العمر الدراسي. فقد تسببت الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 في تعطيل العملية التعليمية على نطاق واسع، وأجبرت آلاف الأسر على النزوح أو إعادة ترتيب أولوياتها في مواجهة ظروف اقتصادية وأمنية بالغة الصعوبة. يقول مؤيدو هذه الخطوة إن الامتحانات تمثل استجابة عملية لأزمة حقيقية فرضتها الحرب، وإن حرمان الطلاب من حقهم في التقييم واستكمال مسارهم التعليمي سيكون ظلماً مضاعفاً لجيل تحمل بالفعل أعباء النزاع. في المقابل، يرى منتقدون أن إنشاء مسارات امتحانية موازية يهدد وحدة النظام التعليمي السوداني، ويثير تساؤلات معقدة حول الاعتراف بالشهادات الصادرة عنها، ومستقبل الطلاب في التعليم العالي، وإمكانية إعادة توحيد المؤسسات الوطنية بعد انتهاء الحرب. وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لأن الشهادة السودانية ظلت لعقود واحدة من أبرز الرموز الوطنية المشتركة، حيث كان الطلاب في مختلف أنحاء البلاد يجلسون للامتحانات نفسها، وفق معايير موحدة وإشراف مركزي واحد. لذلك، فإن ظهور نظم تقييم متوازية قد يعكس تحولاً أعمق في بنية الدولة السودانية تحت ضغط الحرب الممتدة.
الامتحانات ورسائل الشرعية السياسية
اكتسبت الامتحانات بعداً سياسياً إضافياً مع ظهور قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في مقطع مصور أعلن فيه انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية من نيالا، التي تصفها الإدارة الموازية بأنها عاصمة “حكومة التأسيس”. ويشير هذا الحضور المباشر إلى أن الامتحانات لم تعد مجرد استجابة لأزمة تعليمية فرضتها الحرب، بل أصبحت أيضاً جزءاً من التنافس الأوسع حول الشرعية وإظهار القدرة على إدارة الشؤون المدنية في مناطق السيطرة المختلفة.

وفي المقابل، يرى آخرون أن التركيز ينبغي أن ينصب على حق الطلاب في التعليم وعدم تحميلهم كلفة إضافية للصراع السياسي والعسكري المستمر. ورغم الجدل السياسي والقانوني المحيط بهذه الخطوة، يبقى الطلاب الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة. فبالنسبة لكثيرين منهم، لا يتعلق الأمر بصراع على الشرعية أو النفوذ، بقدر ما يتعلق بمحاولة الحفاظ على حق أساسي في التعليم، وعدم دفع ثمن إضافي لحرب لم يكونوا طرفاً فيها.
انقسام رقمي حول الامتحانات
أظهرت منصات التواصل الاجتماعي انقساماً واضحاً في المواقف تجاه الامتحانات. فبينما اعتبر بعض المتفاعلين أن تنظيمها يمثل محاولة لحماية حق الطلاب في التعليم ومنع ضياع مستقبلهم الأكاديمي، رأى آخرون أنها تثير أسئلة تتعلق بشرعية الجهة المنظمة ووحدة النظام التعليمي السوداني. كما ربطت أصوات أخرى الخطوة بالسياق السياسي والعسكري الأوسع للحرب، وهو ما يعكس حجم الاستقطاب الذي بات يحيط حتى بالقضايا ذات الطابع الخدمي والإنساني في السودان. وتكشف هذه التفاعلات أن الجدل الدائر لا يتعلق بالامتحانات وحدها، بل يمتد إلى رؤى متباينة حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبل مؤسساتها في ظل الحرب المستمرة. تكشف هذه التطورات كيف أصبحت الحرب في السودان تتجاوز ساحات القتال لتطال المؤسسات والخدمات الأساسية، من الصحة إلى الاقتصاد، وصولاً إلى التعليم. كما تطرح سؤالاً بالغ الأهمية: كيف يمكن حماية حق الأجيال الجديدة في التعليم وسط واقع سياسي وأمني شديد الانقسام؟ ربما لا تقدم الامتحانات الموازية إجابة نهائية على هذا السؤال، لكنها تكشف بوضوح حجم التحديات التي يواجهها السودان في الحفاظ على مؤسساته الوطنية، وضمان ألا تتحول الحرب إلى عامل دائم يعيد تشكيل مستقبل أبنائه. في نهاية المطاف، وبينما ينشغل الكبار بصراعات السياسة والحرب، يجلس آلاف الطلاب أمام أوراق الامتحانات حاملين أملاً بسيطاً: ألا تضيع أحلامهم التعليمية وسط ضجيج النزاع المستمر.
ملاحظة: تم تحديث هذه المادة لتشمل التطورات الميدانية وردود الأفعال حتى تاريخ 7 يونيو 2026. (Sudan Story)

