نساء سودانيات يعملن في مطابخ مجتمعية يديرها متطوعون محليون يُعددن وجبات للمتضررين من النزاع والجوع الشديد، ممن لا تصل إليهم جهود الإغاثة الدولية، في أم درمان بالسودان، 22 يونيو/حزيران 2024. (رويترز/ مازن الرشيد)

سودان ستوري : متابعات

بينما منحت جائزة بالزان العالمية غرف الاستجابة للطوارئ اعترافاً نادراً بتجربة سودانية أنقذت حياة الآلاف من قلب النزاع المسلح، جاء إعلان من مناطق جبل مرة وطويلة وعين سيرو عن المجاعة ليكشف الوجه الآخر للقصة: المجتمعات التي يحتفي العالم بقدرتها على إنقاذ نفسها تواجه احتياجات تتسع أسرع من قدرتها على الاستجابة.

في السابع من سبتمبر، جاء الخبر من ميلانو: غرف الاستجابة للطوارئ في السودان تفوز بجائزة بالزان للإنسانية والسلام والأخوة بين الشعوب، واحدة من أبرز الجوائز الدولية التي تكرّم العمل الإنساني.

قالت مؤسسة بالزان إن الاختيار جاء تقديراً للدور «الاستثنائي» الذي لعبته الغرف في تقديم المساعدة والتضامن والأمل للمجتمعات المتأثرة بالنزاع المسلح السوداني، وللقدرة التي أظهرتها شبكاتها القاعدية على سد جزء من الفراغ الذي خلّفه انهيار المؤسسات وصعوبة وصول المساعدات الدولية. وتبلغ قيمة الجائزة 750 ألف فرنك سويسري.

كان يمكن للخبر أن يبقى، في ظروف أخرى، قصة نجاح سودانية خالصة.

لكن بعد يوم واحد فقط، جاءت رسالة مختلفة من دارفور.

في الثامن من سبتمبر، أعلنت السلطة المدنية في المناطق الخاضعة لسيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور دخول مناطق جبل مرة وطويلة وعين سيرو ومخيمات نازحين مرتبطة بها مرحلة المجاعة، وقالت إن ما بين 10 و20 حالة وفاة تسجل يومياً نتيجة سوء التغذية ونقص الدواء وانتشار الأمراض، بحسب ما نقل راديو دبنقا عن البيان.

وبين الخبرين، تظهر واحدة من أكثر مفارقات النزاع المسلح السوداني قسوة:

العالم يكرّم السودانيين لأنهم تعلموا كيف ينقذون بعضهم، بينما تتسع في الداخل المساحات التي تحتاج إلى الإنقاذ.

الجائزة التي تشرح الأزمة

لم تنشأ غرف الطوارئ كمشروع إنساني تقليدي.

نشأت من الأحياء والمجتمعات المحلية، واعتمدت بدرجة كبيرة على شبكات المتطوعين والمعرفة المحلية والقدرة على التحرك وسط بيئة انهارت فيها خدمات الدولة، وأصبح وصول المنظمات الإنسانية إلى مناطق واسعة محفوفاً بالعوائق الأمنية والسياسية واللوجستية.

ولهذا فإن حيثيات جائزة بالزان مهمة بقدر أهمية الجائزة نفسها.

فالمؤسسة لم تكرّم الغرف فقط لأنها وزعت الغذاء أو قدمت خدمات صحية؛ بل لأنها رأت في التجربة نموذجاً للمشاركة المدنية والعمل القاعدي القادر على الاستجابة عندما تتراجع المؤسسات التقليدية. وقالت إن أموال الجائزة ستستخدم، بصورة خاصة، في تعزيز أنشطة الرعاية النفسية وسط واقع خلفه النزاع المسلح والنزوح والعنف.

لكن هذا الاعتراف يكشف في الوقت نفسه حجم العبء الذي انتقل إلى المجتمعات المحلية.

فما بدأ كاستجابة طارئة أصبح، مع استمرار النزاع المسلح، يقوم بوظائف أكبر بكثير من فكرة «الطوارئ»: الغذاء، والصحة، والمياه، والإجلاء، ومساعدة النازحين، وربط المجتمعات بمصادر الدعم.

أي أن العالم لا يحتفي فقط بنجاح مبادرة أهلية.

إنه يحتفي، ضمناً، بمجتمع اضطر إلى بناء أدوات بقائه بنفسه.

دارفور تعيد السؤال إلى نقطة البداية

إعلان السلطة المدنية التابعة لحركة عبد الواحد لا يمثل إعلاناً رسمياً للمجاعة وفق آليات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC»، وهي نقطة ضرورية للفصل بين التوصيف السياسي أو المحلي وبين التصنيف الفني الدولي.

لكن ذلك لا يجعل التحذير أقل خطورة.

فالسلطة المدنية قالت إن نقص الغذاء والدواء، وفشل الموسم الزراعي نتيجة قلة الأمطار، وانتشار الأمراض وتلوث مصادر المياه، عوامل دفعت الوضع إلى مستويات شديدة الخطورة، وطالبت بفتح ممرات آمنة لوصول المساعدات.

أما أحدث تقييمات IPC فتضع الصورة في سياق أوسع.

فقد بلغ عدد السودانيين الذين واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41 في المئة من السكان، بينهم أكثر من خمسة ملايين في مرحلة «الطوارئ»، ونحو 135 ألفاً في مرحلة «الكارثة» خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026. وتوقع التصنيف مزيداً من التدهور خلال موسم الشح من يونيو إلى سبتمبر.

كما حدد 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في سيناريو يتصاعد فيه النزاع المسلح أو تتفاقم القيود على الغذاء والحركة والوصول الإنساني.

وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي إلى احتمال ارتفاع عدد الأشخاص في مستوى «الكارثة» إلى نحو 200 ألف خلال يونيو ـ سبتمبر 2026.

وهكذا لا يأتي جرس الإنذار الجديد من دارفور في فراغ.

إنه يقع داخل أزمة غذاء أوسع، وفي أكثر شهور العام قسوة بالنسبة لمخزون الأسر وقدرتها على الوصول إلى الطعام.

«طاقة لا راحة»

وسط الاحتفال، نشر متطوعون في غرف طوارئ شرق دارفور رسالة بدت وكأنها تستبق السؤال الذي ستطرحه الأيام التالية.

دعت الرسالة إلى ألا تتحول الجائزة إلى مجرد لحظة فخر، بل إلى «طاقة جديدة» ومسؤولية، وإلى فرصة لتوثيق التجربة وتبادل المعرفة بين الغرف وبناء قيادات جديدة وتعزيز الشفافية والمساءلة وحماية المتطوعين من الإرهاق.

«لا غرفة أكبر من أن تتعلم، ولا غرفة أصغر من أن تعلم»

هذه ليست مجرد لغة احتفال.

إنها تلمس أحد أهم تحديات المرحلة التالية: كيف تتحول خبرات نشأت بصورة شبه اضطرارية وسط النزاع المسلح إلى معرفة يمكن نقلها بين المجتمعات؟

وما الذي تعلمته غرفة في بحر العرب يمكن أن يساعد متطوعين في أبو جابرة؟ وما تعلمته الضعين يمكن أن يصل إلى شعيرية وعسلاية وياسين؟

في بلد تتقطع فيه طرق الإمداد وتختلف ظروف النزاع المسلح من منطقة إلى أخرى، قد تصبح المعرفة المحلية نفسها مورداً إنسانياً لا يقل أهمية عن المال.

لكن المجتمع لا يستطيع أن يحل محل الدولة والعالم

هنا أيضاً تكمن حدود قصة النجاح.

فالاحتفاء بغرف الطوارئ يمكن، من دون قصد، أن يخفي حقيقة أكثر إزعاجاً: لا ينبغي أن يصبح نجاح المتطوعين مبرراً لتطبيع غياب المؤسسات.

الغرف تستطيع الوصول إلى الناس، وتنظيم المجتمع، وتحريك الموارد المحدودة بكفاءة لافتة.

لكن قدرتها تتوقف عند حدود واضحة: الغذاء بالكميات المطلوبة يفوق إمكاناتها، والمنظومة الصحية الوطنية مسؤولية أكبر من طاقتها، وتأمين طرق الإغاثة ووقف الأطراف المسلحة عن تعطيل وصول المساعدات قرار عسكري وسياسي لا تملكه.

ولا ينبغي أن يتحول نموذج «المجتمع الذي ينقذ نفسه» إلى صيغة يعفي بها المجتمع الدولي نفسه من مسؤولياته.

فكلما اتسعت المجاعة وطال النزاع المسلح، أصبح المتطوع نفسه معرضاً للجوع والنزوح والإرهاق والخطر الذي يواجهه الأشخاص الذين يحاول مساعدتهم.

وهنا تتغير دلالة جائزة بالزان.

هي اعتراف بنجاح غرف الطوارئ، نعم.

لكنها أيضاً شهادة على حجم الفراغ الذي اضطر السودانيون إلى ملئه.

ما بعد الجائزة

في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة، قدم السودان صورتين متناقضتين ظاهرياً ومتكاملتين في الحقيقة.

في ميلانو، جائزة عالمية تحتفي بتجربة سودانية استطاعت أن تصنع التضامن من قلب الانهيار.

وفي دارفور، نداء جديد يقول إن الجوع يتقدم، وإن الغذاء والدواء والخدمات لا تزال أبعد من متناول أعداد كبيرة من المدنيين.

وبين الصورتين تقف غرف الطوارئ.

غير أن دورها يظل محدوداً بحكم طبيعتها: مواردها متواضعة أمام حجم احتياجات الدولة، وصلاحياتها لا تضاهي صلاحيات المنظمات الدولية، فيما يبقى حل النزاع المسلح سياسياً خارج نطاق عملها الإغاثي. ومع ذلك، أصبحت في أجزاء واسعة من السودان خط الدفاع الأخير بين مجتمعات كثيرة وبين السقوط الكامل في الفراغ.

لهذا ربما لا يكون السؤال الأهم بعد جائزة بالزان هو: ماذا ستفعل غرف الطوارئ بالجائزة؟

السؤال الأكبر هو:

إلى متى يستطيع العالم أن يحتفي بالسودانيين لأنهم ينقذون أنفسهم، بينما تستمر الظروف التي تجبرهم على فعل ذلك؟

منحت بالزان غرف الطوارئ اعترافاً عالمياً.

أما جرس المجاعة القادم من دارفور، فيذكّر بأن المهمة التي من أجلها استحقت ذلك الاعتراف لم تنته بعد.

ربما أصبحت أصعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *