حين يضع صابر آدم، اسم مستعار، رأسه على الوسادة، لا يأتي النوم بسهولة. تمر ساعات وهو مستيقظ، وفي بعض الليالي لا يغفو إلا بعد شروق الشمس. خرج من مدينة الفاشر ووصل إلى أوغندا، مبتعدًا عن القتال، لكنه يقول إن الخوف لم يبقَ خلفه.
باختصار
- ثلاثة سودانيين بأسماء مستعارة يروون ما بقي معهم بعد مغادرة مناطق القتال: صابر من الفاشر، وسمير من أمبدة، ورماح التي نزحت من الخرطوم إلى ود مدني ثم إلى غرب كردفان.
- يصف الثلاثة اضطرابًا في النوم أو تراجعًا في التركيز، ويعيش صابر وسمير قلقًا دائمًا على أسرتيهما في السودان.
- تختلف طرق التعامل: لجأ سمير إلى ورش دعم نفسي وطبيبة مختصة، ورماح إلى التطوع والمشي والتواصل مع صديقاتها، وصابر إلى الصبر والأصدقاء.
- يقول أخصائي نفسي إن الخدمات النفسية المتاحة أقل من حجم الاحتياج، ويربط أخصائي ثانٍ بين ضغوط ما بعد النزوح وصعوبة التعافي.
«بعد أن خرجت من السودان وجئت إلى أوغندا شعرت بالأمان، لكن لا تزال هناك أسئلة كثيرة في رأسي، والخوف يحاصرني؛ خوفًا على منطقتي وأهلي الذين تركتهم ورائي».
كان صابر في الفاشر عندما امتد إليها القتال بعد اندلاع النزاع المسلح في الخرطوم في 15 أبريل 2023. غادر السودان نتيجة ذلك، ووصل إلى كمبالا في أكتوبر من العام نفسه. وظل انشغاله بما يحدث لأسرته في الفاشر يرافقه في مكانه الجديد، حيث تابع الأخبار وحاول الوصول إلى معلومات تطمئنه عليهم.
ومع مرور الوقت، صار يتابع أخبار المنطقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بحثًا عن معلومات يثق بها وعن رسالة تطمئنه إلى أسرته.
ويقول: «دائمًا كنت في حالة من التفكير والرعب والخوف، منتظر بس رسائل تطمين».
وفي مرحلة لاحقة، ازداد قلقه عندما غادر إخوته الفاشر باتجاه طويلة، قبل سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025، وفُقد أحدهم خلال الرحلة، وفق روايته. يقول صابر إن فترة الفقد كانت شديدة القسوة، وإنه لم ينم خلالها ليلًا أو نهارًا. واستمرت مشكلة النوم بعد ذلك، حتى أصبح يرى أن النوم لساعتين أو ثلاث ساعات قد يكون كافيًا بالنسبة إليه.
انتقل صابر إلى شرق تشاد في فبراير 2026، وبقي انشغاله بأسرته وبما جرى في منطقته على حاله.
تجربة صابر واحدة من ثلاث تجارب جمعتها «سودان ستوري» لأشخاص غادروا مناطق القتال أو نزحوا منها. تتباين الإفادات في تفاصيل ما يحدث بعد النجاة، وتلتقي عند مفارقة مشتركة: قد يصل الإنسان إلى مكان أكثر أمانًا، بينما تظل آثار النزاع حاضرة في نومه وعلاقاته وقدرته على العمل والتخطيط للمستقبل.
أمان من دون راحة
كان سمير محمد، وهو اسم مستعار، والبالغ من العمر 27 عامًا، في أمبدة بولاية الخرطوم عندما اندلع النزاع المسلح. سمع القصف من بعيد، وتوقع أن يتوقف القتال سريعًا ليعود إلى عمله وحياته المعتادة. لكن النزاع أفقده عمله منذ يومه الأول، كما تعطلت سنته الأخيرة في الجامعة.
غادر السودان ووصل إلى كمبالا في نوفمبر 2023. شعر بأنه صار أكثر أمانًا، لكن ذلك لم يمنحه الراحة. بقي أهله وأسرته وحياته السابقة خلفه، وبقي معها القلق مما يمكن أن يحدث لهم.
ويقول: «أصبحنا أكثر أمانًا بعد خروجنا، لكنني لم أشعر بالراحة، لأن أهلي وحياتي وأسرتي الصغيرة كلها لا تزال خلفي، وأشعر بالقلق على حياتهم، كما أنني لا أعرف ماذا سأفعل بمستقبلي».
أصبحت الاتصالات القادمة من السودان مصدر توتر في حد ذاتها. فمع توالي أخبار الوفاة والمرض والاعتقال والاعتداء على المنازل، صار سمير محمد يستقبل أي اتصال باحتمال أن يحمل خبرًا سيئًا. وانعكس ذلك على نومه، الذي أصبح متقلبًا، وعلى قدرته على التركيز في العمل والدراسة.
قبل النزاع، كما يقول، كان يخطط لحياته ويشعر بأن مستقبله في يده. أما الآن، فقد أصبح جزء من ذلك المستقبل مرتبطًا بمنحة قد يحصل عليها، أو مساعدة مالية ينتظرها، أو قرار يتخذه آخرون.
ويعبّر عن ذلك بقوله: «حسيت إنو الحاجات ما في يدي ومصيري في يد ناس تانيين».
عندما يشعر بأنه ليس بخير، يلجأ أحيانًا إلى النوم أو يتحدث مع أصدقاء مقربين. وخلال الفترة الماضية، شارك في ورش للدعم النفسي، وتحدث للمرة الأولى إلى طبيبة مختصة. ويقول إن بعض الحلول التي اقترحتها عليه أفادته.
التكيف جزء من الحكاية أيضًا
تسلك تجربة رماح أحمد، البالغة من العمر 27 عامًا، اتجاهًا مختلفًا بعض الشيء. نزحت مع أسرتها من الخرطوم إلى ود مدني، وأقامت مع أقاربها، بينما كان والدها وإخوتها بعيدين عنها. لم تشعر هناك بأمان كامل، ثم تعرضت المدينة للهجوم واضطرت الأسرة إلى النزوح مرة ثانية، هذه المرة إلى منطقة الدبب في غرب كردفان، في يناير 2025.
هناك، وبعيدًا عن مناطق القتال في ذلك الوقت، شعرت رماح للمرة الأولى بأن احتمال تعرضها للقصف أو الطيران قد تراجع.
«حسيت بالأمان فعلًا لمن نزحنا للمرة التانية»، تقول.
وبقي بعض ما سبق رغم الأمان؛ إذ ظل الخوف من الأصوات العالية حاضرًا، واستمرت الكوابيس والتفكير فيما قد تحمله الأيام. كما تراجع تركيزها في العمل والدراسة مقارنة بما كان عليه قبل النزاع.
وفي المقابل، اكتشفت رماح أحمد في التجربة قدرة على التكيف لم تكن تعرفها عن نفسها. بعد نزوحها إلى ود مدني، انضمت إلى مشروع تطوعي في جامعة الجزيرة، وواصلت المشاركة فيه سبعة أيام.
وتقول: «لقيت روحي بقدر أتأقلم شديد وإني ما يأست».
عندما تشعر بالضيق، تخرج للمشي، وتتحدث مع نفسها، وتتواصل مع صديقاتها وأسرتها. كما فكرت أكثر من مرة في طلب مساعدة نفسية. وتقول إن بعض ما جربته في التعامل مع آثار النزوح ساعدها على الشعور بالتعافي.
ومع استمرار الأثر النفسي، تكشف تجربتها وجهًا آخر للقصة: الوصول إلى مجتمع جديد قد يفتح أبوابًا للعلاقات، وقد يساعد التطوع والتواصل وطلب الدعم في استعادة قدر من السيطرة على الحياة.
آثار لا تظهر بالطريقة نفسها
يقول صالح عبد الله آدم، وهو أخصائي نفسي يعمل في مؤسسة «Inner Light for Counseling»، إن آثار النزاع لا تنتهي بالضرورة عند الوصول إلى مكان آمن. ومن بين ما لاحظه لدى بعض المتأثرين صعوبة التأقلم مع الواقع الجديد، خصوصًا عندما يقترن النزوح بالانتقال إلى مجتمع وثقافة مختلفين.
ويشير صالح إلى أعراض متكررة تظهر لدى بعض الأشخاص، من بينها الأرق والكوابيس والخوف والتوتر وسهولة الاستثارة والتشتت الذهني والميل إلى العزلة. لكنه يلفت أيضًا إلى أثر الظروف التي تأتي بعد النزوح، مثل غياب فرص العمل وضعف السند الاجتماعي وصعوبة الاندماج.
ويقول إن الخدمات النفسية المتاحة لا تزال أقل من حجم الاحتياج، وإن جودة بعضها دون المستوى المطلوب. وفي البيئة التي يعمل فيها، يلاحظ أن الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية أصبحت أقل تأثيرًا، لكنه يشير إلى محدودية الإحصاءات التي يمكن أن تقدم صورة أوسع عن أوضاع السودانيين.
ومن جهته، يرى الهادي آدم محمد علي، الأخصائي النفسي في مؤسسة «اتزان للدعم النفسي»، أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه النازحين واللاجئين قد تنعكس على حالتهم النفسية، خصوصًا مع فقدان العمل وتغير ظروف الحياة والشعور بالغموض بشأن المستقبل.
وتساعد إفادتا المختصين في فهم الظروف التي قد تزيد صعوبة التعافي، ويبقى تحديد مدى انتشار اضطرابات نفسية بعينها بين السودانيين بحاجة إلى مسوح ودراسات أوسع. والأعراض التي يصفها الأشخاص في هذه القصة روايات شخصية بعيدة عن التشخيص الطبي، تفيد في فهم كيف تتداخل ذكريات النزاع مع ضغوط الحياة اللاحقة، وكيف يختلف أثر التجربة وسبل التعامل معها من شخص إلى آخر.
النجاة ليست لحظة واحدة
يختلف سمير محمد ورماح وصابر في ما مروا به وفي طريقة استجابتهم له، ويجمعهم انقطاع المسار الطبيعي لحياتهم؛ فقد ابتعدوا عن بعض أفراد أسرهم، وتعطلت الدراسة والعمل عند بعضهم، واضطرب نومهم، وصار التخطيط للمستقبل أكثر غموضًا.
اختار سمير محمد طلب مساعدة متخصصة، ووجدت رماح في التطوع والتواصل مع المقربين وبعض ممارساتها اليومية وسائل للتكيف. أما صابر، فلم يفكر في طلب مساعدة نفسية؛ فهو يرى أن ما حدث كان خارج إرادته، وأن الصبر والأصدقاء هما ما يملكه لمواجهة ما يمر به.
«ياهو بنتعافى بأصحابنا»، يقول صابر.
لكن أسرته لا تزال في السودان، والاتصال بها غير منتظم، فيما يواصل محاولة التكيف مع حياته الجديدة بعيدًا عنها. لذلك يظل الأمان الذي وجده بعد مغادرة السودان خطوة أولى في طريق نجاة طويل.
والتعافي مسار متفاوت، يتأثر بما عاشه كل شخص، وبالعلاقات المتاحة له، وبقدرته على الوصول إلى الدعم الذي يحتاج إليه.
اقرأ أيضاً: حين لا تعبر المهنة الحدود، ولاجئون سودانيون بعد عبور الحدود.
تقرير: وشاح قرشي
المصادر: مقابلات مع ثلاثة سودانيين غادروا مناطق القتال أو نزحوا منها، والأخصائيين النفسيين صالح عبد الله آدم والهادي آدم محمد علي، وصحيفة وقائع منظمة الصحة العالمية عن الصحة النفسية للاجئين والمهاجرين.
المنهجية: الأسماء الواردة للأشخاص الثلاثة مستعارة حماية لهم. الأعراض التي يصفونها روايات شخصية بعيدة عن التشخيص الطبي، وإفادات المختصين لا تقيس مدى انتشار الاضطرابات النفسية بين السودانيين.
آخر مراجعة: 19 أكتوبر 2026

