بقلم: شهاب إبراهيم الطيب — عضو المكتب التنفيذي لحزب التحالف الوطني السوداني، والقيادي بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود».
السيادة التي ضاعت بين «بل بس» و«الجغم»
حين يتبادل طرفا الحرب شعارات «الحسم» و«الكرامة»، تضيع الكرامة الوطنية نفسها. «بل بس» و«الجغم» وجهان لعملة واحدة؛ فكلاهما يرى السودان ساحة لتصفية الحسابات، ويرهن قراره لمن يمدّه بالسلاح والمال والغطاء السياسي. والثمن يدفعه المواطن وحده، وتدفعه الحدود التي لم يعد أحد يحرسها.
دم المعدّنين على الحدود
في 10 أكتوبر، تداولت تقارير وروايات عن غارات جوية استهدفت منطقة تعدين قرب الحدود المصرية، وأوقعت ضحايا بين عمال التعدين. وتحدثت روايات عن خمس غارات على منجم العقيدات بولاية نهر النيل وعن أكثر من مئتي قتيل، وهي أرقام ونسبة مسؤولية لم يجر التثبت منهما بصورة مستقلة بعد. وفي المقابل، وردت تصريحات مصرية عن حملة لمكافحة التنقيب غير المشروع داخل الحدود المصرية؛ ولا تكفي تلك التصريحات وحدها لإثبات المسؤولية عن الواقعة المحددة.
مصر تتحدث عن سيادتها على أرضها؛ فأين سيادة السودان على دماء مواطنيه؟ هؤلاء شباب دفعتهم الحرب والجوع إلى الصحراء والجبال بحثًا عن لقمة العيش. لكن ما جرى يُقرأ في سياق أكبر عمره أكثر من قرن.
حلايب وشلاتين: سيادة ضاعت بالتقسيط
بدأت القصة باتفاقية 1899 التي رسمت الحدود عند خط عرض 22 شمالًا. ثم صدر في 1902 ترتيب إداري وضع المثلث الواقع شمال الخط، وفيه حلايب وشلاتين وأبو رماد، تحت الإدارة السودانية. ومنذ ذلك الحين تتمسك مصر بخط 22 بوصفه حدًا سياسيًا، ويتمسك السودان بالترتيبات الإدارية التاريخية.
ظل الخلاف يشتعل ثم يخمد. ففي 1958 احتج السودان لدى مجلس الأمن على تحركات مصرية في المنطقة قبيل الانتخابات السودانية. وفي التسعينيات تصاعد التوتر بشأن امتيازات التنقيب، ثم جاءت أزمة 1995 عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا. ومنذ ذلك الوقت تسيطر مصر فعليًا على المثلث، بينما يتمسك السودان بمطالبته به.
الدرس الأهم أن ذلك لم يحدث لأن مصر قوية فحسب؛ بل وقع أيضًا في أوقات بدت فيها الخرطوم معزولة ومنشغلة بأزماتها. الجار يقرأ ضعفنا قراءة باردة، ويتحرك حين تنشغل بيوتنا بالنار.
ذهب الصحراء الشرقية
تضم الصحراء الشرقية وجبال البحر الأحمر مناطق تعدين للذهب، ويتداخل فيها العمل الأهلي مع التهريب والخلافات الحدودية. وحين تُستخدم حماية الثروات القومية مبررًا للتحرك العسكري في مناطق متنازع عليها، يبرز سؤال: ثروات أي دولة؟ وحدود أي خريطة؟ وإذا قبلنا اليوم قصف مناطق التعدين بحجة مكافحة التنقيب غير المشروع، فمن يضمن ألا يصبح الاستثناء قاعدة تُرسَّم بها الحدود بالنار؟
حرب الآخرين في بيتنا
على الجبهة الشرقية، تتبادل أطراف إقليمية وسودانية اتهامات بشأن دعم مجموعات مسلحة أو السماح باستخدام الأراضي لعمليات عسكرية. وقد أثيرت اتهامات بشأن علاقات بين الجيش السوداني ومقاتلين من تيغراي، كما اتهمت جهات سودانية إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع. وتظل هذه الاتهامات محل نزاع وتحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يجوز التعامل معها كوقائع محسومة.
وهنا يظهر التناقض في خطاب قيادة تتهم خصمها باستقدام مقاتلين أجانب، بينما تواجه هي نفسها اتهامات بالتورط في نزاعات الجوار. هكذا تتحول الحدود إلى امتداد للحرب، وتدفع المناطق الحدودية ثمنًا إضافيًا.
من يطيل الحرب يفتح الباب لتقاسم الوطن
لقد حوّل طرفا الحرب السودان إلى ممر لحروب الآخرين. يستجلب أحدهما الدعم من الخارج، ويستجلب الآخر دعمًا مضادًا، فيما تتعرض سيادة البلاد للتآكل. وحلايب علّمتنا أن الحدود التي تُفقد في زمن الضعف لا تعود بالبيانات وحدها.
السيادة لا تُحمى بالخطب الحماسية. تُحمى بوقف الحرب، وسلطة مدنية ذات شرعية، وجيش مهني واحد، وسياسة خارجية تحمي مصالح الشعب لا مصالح قادة الحرب، وبملف قانوني ودبلوماسي جاد يطالب بحقوقنا في الحدود والدم معًا. فلا سيادة مع الحرب، ولا حدود آمنة مع الانقسام.

