تقرير: حسام الدين حيدر

عادت اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية إلى صدارة ملف النزاع المسلح في السودان، بعد تحقيقين متزامنين نشرتهما صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، استناداً إلى ملف استخباراتي يصف برنامجاً مزعوماً طوّره الجيش السوداني خلال عام 2024 لإنتاج ذخائر قائمة على غاز الكلور واستخدامها ضد قوات الدعم السريع.

ويمضي الملف أبعد من الاتهامات السابقة، إذ يتضمن صوراً ومقاطع فيديو ورسائل واتصالات معترضة ومخططات لذخائر، فضلاً عن تفاصيل عن اختبارات صحراوية ومصادر الحصول على الكلور ومحاولات مزعومة لإزالة آثار البرنامج بعد انكشافه.

وقالت «نيويورك تايمز» إن الملف، الذي قدمته لها وكالة استخبارات في الشرق الأوسط، يضم نحو 150 وثيقة وصورة وتسجيلاً ومقطع فيديو، إضافة إلى آلاف الرسائل النصية. أما «واشنطن بوست» فقالت إن المواد وصلت إليها عبر مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط قالوا إنها جُمعت من مصادر داخل السودان.

ولا تمثل هذه المواد، في حد ذاتها، تحقيقاً ميدانياً مستقلاً. فقد استعانت «واشنطن بوست» بأكثر من عشرين مسؤولاً استخباراتياً سابقاً وخبيراً في الأسلحة الكيميائية ومنظمات حقوقية، وصفوا المواد بأنها مؤشرات ذات مصداقية على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، لكنهم شددوا على أن الوصول إلى المواقع المشتبه بها والشهود والأدلة المادية يظل ضرورياً للوصول إلى نتيجة قاطعة.

اتهامات سبقت الوثائق

لم تبدأ القضية مع التسريبات الجديدة. ففي 24 أبريل/نيسان 2025، توصلت الولايات المتحدة رسمياً، بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024. وأعلنت وزارة الخارجية القرار في 22 مايو، قبل أن يُنشر إشعار العقوبات في السجل الفيدرالي في 27 يونيو/حزيران 2025.

ورفض الجيش والسلطة القائمة في بورتسودان الاتهامات، وقالا إن السودان لا ينتج أسلحة كيميائية ولا يمتلكها ولا يستخدمها، وإنه ملتزم باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

لكن التحقيقين الجديدين يقدمان للمرة الأولى رواية أكثر تفصيلاً عن الكيفية التي يقول الملف إن برنامجاً من هذا النوع نشأ بها وتطور داخل المؤسسة العسكرية.

مشروع بدأ تحت ضغط معركة الخرطوم

بحسب «نيويورك تايمز»، ظهر المشروع المزعوم في منتصف عام 2024، عندما كانت قوات الدعم السريع لا تزال تسيطر على أجزاء واسعة من الخرطوم، بينما واجه الجيش صعوبة في إخراج مقاتليها من المواقع المتحصنة داخل العاصمة.

وفي يوليو/تموز، برز اسم العميد طارق حسين محمد مدني بوصفه الشخصية المحورية في المشروع المزعوم. وتظهر الوثائق، وفق الصحيفة، أنه اقترح استخدام الكلور لمنح الجيش أفضلية في مواجهة المقاتلين المتحصنين، ووزع رسومات لنموذج ذخيرة يجمع بين متفجرات ونحو 15 كيلوغراماً من الكلور.

وتشير الرسائل المنسوبة إليه إلى أن تصميم الذخيرة كان يستهدف إحداث أثر مزدوج: الشظايا الناتجة عن الانفجار، والتسمم بالغاز. كما زعم في إحدى الرسائل أن الانفجار سيساعد على محو أثر المادة الكيميائية بعد الهجوم.

اختبار من مروي

في 22 يوليو/تموز 2024، أقلعت طائرة شحن من طراز أنتونوف من مطار مروي لإجراء اختبار للذخيرة المزعومة في منطقة صحراوية.

وبعد التجربة، كتب حسين، وفق الرسائل التي أوردتها الصحيفة، أن الاختبار نجح وأن الذخيرة أصابت الهدف وأطلقت الغاز. ورد العميد أمير إدريس، الذي تعرفه الوثائق بوصفه مسؤولاً مرتبطاً بعمليات الطائرات المسيّرة، بتشديد على إبقاء الأمر في سرية كاملة.

عقارب وحشرات نافقة

لكن المشروع، بحسب الرسائل، واجه مشكلات تقنية مبكرة.

وتكررت حالات تسرب للكلور من الذخائر أثناء عملية التصنيع، إلى درجة أن العاملين وجدوا، في إحدى المرات، حشرات وعقارب نافقة داخل حظيرة بعد تعرضها، على ما يبدو، للغاز المتسرب خلال الليل.

وبالنسبة للبرنامج، لم تكن المشكلة تقنية فقط؛ فإنتاج مئات الذخائر كان يتطلب كذلك مصدراً ثابتاً للكلور.

20 أسطوانة من مصر

تفيد المواد بأن حسين أبلغ في أواخر أغسطس/آب 2024 بوصول 20 أسطوانة كلور عبر مصر، وقال إن الكمية يمكن أن تكفي لصناعة نحو 1100 قنبلة.

ثم ظهر مصدر آخر أكثر حساسية: محطة المنارة لتنقية المياه في أم درمان.

وفي رسالة صوتية منسوبة إليه في 26 أغسطس، قال حسين إن المحطة كانت تمتلك أسطوانات من النوع المطلوب وإن فريقه أخذ بعضاً منها.

تكمن حساسية هذه الجزئية في أن محطة المنارة ظلت منشأة مدنية حيوية أثناء النزاع المسلح، كما تلقت محطات معالجة المياه في الخرطوم إمدادات من الكلور من منظمات إنسانية لمكافحة تلوث المياه والكوليرا.

وقال الصليب الأحمر لـ«نيويورك تايمز» إنه قدم 30 أسطوانة للمحطة في 2023، بينما قالت «كير» إنها قدمت 35 أسطوانة خلال عامي 2024 و2025. كما قالت اليونيسف إنها زودت ست محطات لمعالجة المياه، بينها المنارة، بالكلور.

لكن هذه المعلومات لا تثبت أن الأسطوانات التي يزعم حسين أخذها هي نفسها الأسطوانات التي قدمتها تلك المنظمات. وقالت اليونيسف إنها لا تملك سجلاً يشير إلى تحويل الكلور الذي قدمته إلى استخدام آخر.

نحو 300 ذخيرة

بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال حسين، وفق الملف، إن نحو 300 ذخيرة كيميائية جرى تصنيعها، وإن معظمها خُزن في قاعدة مروي الجوية.

وتذهب بعض المواد التي اطلعت عليها «واشنطن بوست» إلى أبعد من ذلك، إذ تتضمن رسالة تشير إلى تصنيع مئات الذخائر واستخدام 106 منها، لكن الصحيفة لم تتمكن من التحقق مستقلاً من هذا الرقم أو تحديد مصير كامل المخزون المزعوم.

«لقد شربوا الغاز»

في سبتمبر/أيلول 2024، كتب حسين، بحسب «نيويورك تايمز»، عبارة مفادها أن مقاتلين من الدعم السريع تعرضوا للغاز، وربط الملف الواقعة بهجوم على مصفاة الجيلي شمال الخرطوم.

وكانت قوات الدعم السريع قد اتهمت الجيش في 13 سبتمبر بإطلاق صواريخ وصفتها بأنها «سامة» على المصفاة، بينما ظهرت لاحقاً صور لأشخاص يستخدمون أقنعة أكسجين.

لكن إثبات نوع الذخيرة المستخدمة يظل موضع إشكال. فقد خلص تحقيق سابق إلى وجود مؤشرات مرتبطة بالكلور في الموقع، إلا أن شكل الأسطوانات التي وثقها لم يتطابق مع نموذج الذخيرة الأصغر الذي يظهر في الملف الجديد. ولم تسجل وفيات مؤكدة مرتبطة بذلك الهجوم.

ماذا عن البرهان؟

هنا تنتقل القصة من مسار تصنيع الذخائر إلى مستوى القيادة.

تقول «نيويورك تايمز» إن اتصالات معترضة تشير إلى معرفة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالبرنامج المزعوم. وبعد العقوبات الأميركية المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، تنسب المواد إليه توجيهاً لطارق حسين بإزالة آثار النشاط، فيما جاء الرد بأن العملية كانت قد نُفذت قبل ذلك.

وتقدم «واشنطن بوست» تفصيلاً إضافياً. ففي سبتمبر/أيلول 2025، أرسل حسين، وفق المسؤولين الذين قدموا الملف، رسالة إلى البرهان يطمئنه فيها إلى أن قاعدة عسكرية كانت تستخدم للتخزين قد أُفرغت من «الآثار والبقايا».

لكن هذه المعطيات تحتاج إلى تمييز جوهري: وجود مؤشرات على معرفة البرهان بالبرنامج أو على توجيهات بإزالة آثاره لا يثبت، حتى الآن، أنه أصدر شخصياً أمراً باستخدام الأسلحة الكيميائية في الميدان.

كما أن الربط بين الملف وعقوبات واشنطن على البرهان في يناير/كانون الثاني 2025 يحتاج إلى الحذر. تقول «نيويورك تايمز» إن بعض مواد الملف وصلت إلى الاستخبارات الأميركية واستُخدمت في تقييم متعلق بالأسلحة الكيميائية في يناير، لكن البيان الأميركي العلني الذي أعلن عقوبات البرهان في 16 يناير استند إلى الانتهاكات ضد المدنيين وعرقلة المساعدات واستمرار النزاع المسلح، ولم يذكر الأسلحة الكيميائية أساساً معلناً للعقوبات.

مهندس البرنامج داخل لجنة التحقيق

وتثير المواد سؤالاً آخر حول التحقيق السوداني نفسه.

فبعد تصاعد الاتهامات، شكّل البرهان لجنة سودانية للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية. وبحسب وثيقة اطلعت عليها الصحيفتان، أُدرج طارق حسين ضمن مستشاري اللجنة «لخبرته»، رغم أن الملف نفسه يقدمه بوصفه العقل المدبر للبرنامج المزعوم.

وأعلنت اللجنة لاحقاً أن القياسات والأدلة المتاحة لها لم تظهر تلوثاً كيميائياً أو إشعاعياً، بينما ظل التقرير النهائي غير معلن عند نشر التحقيقين.

وفي يونيو/حزيران 2026، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على طارق حسين محمد مدني وشركة «تارغت للأنشطة المتعددة»، في إطار شبكة قالت إنها مرتبطة بمشتريات عسكرية للجيش واستيراد متفجرات ومواد ذات صلة. ولم يشر قرار العقوبات العلني إلى الأسلحة الكيميائية.

الأدلة قوية.. لكن الحسم يحتاج إلى الميدان

قال خبراء استعانت بهم «واشنطن بوست» إن الصور والوثائق والرسائل تشكل مؤشرات قوية ومتسقة مع وجود برنامج أسلحة كيميائية، لكنهم امتنعوا عن اعتبارها إثباتاً نهائياً دون فحص المواقع والذخائر ومقابلة الشهود.

كما لم يجد خبراء الطب الشرعي الرقمي الذين فحصوا عينات رئيسية من المقاطع الصوتية والصور مؤشرات على التلاعب الرقمي أو التوليد الاصطناعي، لكن ذلك لا يثبت، بمفرده، صحة السياق الذي نسبت إليه المواد أو جميع الادعاءات المصاحبة لها.

وفي السودان، طالبت مجموعة «محامو الطوارئ» بتحقيق دولي مستقل يتيح للخبراء الوصول الآمن إلى المواقع، وفحص بقايا الذخائر ووسائل الإطلاق، والاستماع إلى الشهود والضحايا بصورة مستقلة.

وبذلك، تضيف التسريبات فصلاً جديداً إلى ملف الأسلحة الكيميائية، دون أن تُنهيه.

فهي تقدم، للمرة الأولى، رواية تفصيلية محتملة لمسار يبدأ بفكرة داخل وحدة عسكرية، ويمر بمصنع واختبار ومخزون ومصادر للكلور، قبل أن يصل إلى مراسلات تتعلق بالقيادة العليا ومحاولات مزعومة لإزالة الآثار.

لكن الفاصل بين ملف استخباراتي بالغ التفصيل وبين إثبات قانوني نهائي ما زال هو التحقيق المستقل في أرض الحرب.

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الأصعب: من كان يعلم، ومتى علم، وإلى أي مستوى تصل المسؤولية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *