تقرير: جنة علي بشارة
موظف حكومي يبدأ من الصفر، ومهندس يبحث عن استثمار بعيد عن تخصصه، وطبيبة تؤجل معادلة شهادتها، وصحفي يتمسك بمهنته بلا راتب، وإعلامي يتحول إلى طباخ. حكايات سودانيين في أوغندا تكشف أن النجاة من النزاع المسلح لا تعني بالضرورة القدرة على استعادة الحياة المهنية التي تركوها وراءهم.
في كل صباح، يفتح أيمن حريري حاسوبه للبحث عن عمل.
لأكثر من اثني عشر عاماً، كان يعمل في وزارة المالية بولاية القضارف، حيث راكم خبرة في الشراء والتعاقد والتخلص من الفائض. أما اليوم، فقد بات دون وظيفة أو مصدر ثابت للدخل.

في 14 أبريل 2026 انتهى ذلك المسار. فُصل أيمن من وزارة المالية، وفق قرار اطلعت عليه «سودان ستوري»، بسبب الغياب عن العمل لأكثر من 45 يوماً.
لكن الغياب، بحسب أيمن والوثائق التي قدمها، لم يكن اختيارياً. فقد كان يقضي فترة في السجن على خلفية قضية يقول إنها بدأت بمنشور على فيسبوك تضامن فيه مع معتقلين.
«الآن بدون عمل. انهارت كل خططي ومضطر أبدأ من الصفر. 12 عاماً من الخبرة انتهت بجرة قلم. أن أبحث في مجال آخر وأتأقلم وأنجح فيه، هذا هو أكبر تحدٍّ».
لم يبدأ فقدان أيمن لوظيفته يوم صدر قرار الفصل. فقد سبق ذلك نشاط سياسي ومدني يقول إنه أدى إلى اعتقالات واستدعاءات متكررة في القضارف.
وفي آخر تلك الوقائع، صدر بحقه حكم في قضية مرتبطة بمنشور على فيسبوك، وقضى فترة في السجن. وخلال وجوده هناك غاب عن وظيفته.
بعد خروجه، احتُسبت فترة الغياب، وفق إفادته وقرار الفصل، غياباً دون عذر. وفي 14 أبريل صدر قرار إنهاء خدمته.
وهكذا انتهى أكثر من عقد في الوظيفة الحكومية، فيما وجد أيمن نفسه أمام سؤال لا يتعلق بفقدان الراتب وحده: أين يضع اثني عشر عاماً من الخبرة عندما يضطر إلى البدء من جديد؟
قصة أيمن تختلف في تفاصيلها عن قصص السودانيين الذين دفعهم النزاع المسلح إلى اللجوء، لكنها تلتقي معها عند نقطة واحدة: انقطاع المسار المهني، والحاجة إلى بناء مصدر دخل جديد في واقع لم يخططوا له.
حين لا تكون البداية الجديدة اختياراً
بحلول نهاية ديسمبر 2025، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في أوغندا نحو 92,700 شخص، وفق خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين التابعة للأمم المتحدة. ويقيم نحو 85% منهم في مستوطنة كرياندونغو، مقابل 10% في كمبالا، ويتوزع الباقون في مناطق أخرى.
ولا تتشابه فرص العمل بين المدينة والمستوطنة.
ففي كرياندونغو يحصل اللاجئون على أشكال من المساعدات والخدمات الإنسانية، بينما يُتوقع من اللاجئين في المدن الاعتماد بدرجة أكبر على أنفسهم في تدبير العمل والدخل.
وتكشف دراسة أعدتها REACH بالتعاون مع المجلس النرويجي للاجئين حجم المشكلة. فقد جُمعت بياناتها في كرياندونغو بين 12 نوفمبر و4 ديسمبر 2024، وشملت 428 أسرة سودانية وصلت حديثاً. وقالت 68% من الأسر إنها واجهت عوائق أمام أنشطة كسب العيش، فيما ذكر نحو أربعة أخماس الأسر التي واجهت عوائق أن نقص فرص العمل كان أبرزها.
في هذا الواقع، لا تبدأ الحياة المهنية دائماً من النقطة التي توقفت عندها في السودان.
مهندس خارج الهندسة
في كمبالا، يحاول أحمد آدم، وهو اسم مستعار، بناء مصدر دخل جديد.
كان مهندساً يعمل في محطة بحري الحرارية، وعضواً في لجنة مرتبطة بتفكيك نظام الثلاثين من يونيو. ويقول إنه فقد وظيفته بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم فقد خلال النزاع المسلح ممتلكات وأعمالاً أخرى كان يعتمد عليها إلى جانب راتبه.
قبل النزاع المسلح، لم يكن مصدر دخله مقتصراً على الهندسة؛ كانت لديه أيضاً أنشطة تجارية، بينها تجارة الذهب.
«بعد الحرب لم يتبق سوى القليل من المال، وظفته للسفر وسفر أهل البيت. وأصبح الوضع الأمني أكثر صعوبة بالنسبة لنا كسياسيين، وهذا هو السبب الذي دفعنا للخروج من السودان».
لكن الوصول إلى أوغندا لم يكن بداية سهلة.
«في البدء كانت مشكلة اللغة. تجد نفسك فجأة في بيئة لغتها الأساسية الإنجليزية بينما لغتك الأم العربية. واجهنا مشكلة في الاندماج، كما أن وجودنا في الخارج استنزف الموارد التي كانت لدينا».
حاول أحمد تحويل ما بقي من أمواله إلى استثمارات صغيرة. بعضها فشل، وبعضها ما يزال مستمراً.
لكنه يقول إن العائد لا يقترب مما كان يحصل عليه سابقاً، وإنه اضطر إلى قبول أعمال لا تتناسب مع خبرته «فقط من أجل الاستمرار».
المشكلة هنا ليست فقدان العمل فقط. إنها انتقال الخبرة نفسها إلى سوق لا يمنحها القيمة التي كانت تمتلكها في مكانها السابق.
صحفي بقي في المهنة.. وفقد الراتب
ليس الجميع مضطراً إلى تغيير مهنته.
فتح الرحمن حمودة صحفي يعمل في المجال منذ نحو سبع سنوات. قبل النزاع المسلح كان يحصل على راتب ثابت من مؤسسة إعلامية، إلى جانب أعمال صحفية حرة.
في السنة الأولى للنزاع المسلح استطاع مواصلة عمله، لكن بعد مغادرته السودان لأسباب أمنية، ومع توقف تمويل المؤسسة التي يعمل بها، توقفت الرواتب.
مع ذلك، لم يغادر الصحافة.
«بعد وصولي إلى أوغندا حرصت على الاستمرار في ممارسة مهنتي رغم توقف راتبي، ولتعويض جزء من الدخل اتجهت بصورة أكبر إلى العمل الحر في المجال الصحفي».
بالنسبة إليه، ظلت المهنة موجودة، لكن شكل العلاقة الاقتصادية معها تغير.
لم تعد الوظيفة تعني راتباً شهرياً مستقراً، وتحولت الصحافة بصورة أكبر إلى أعمال حرة متفرقة لتوفير الاحتياجات الأساسية.
تجربته تكشف وجهاً آخر للقصة: المهنة قد تبقى قائمة، غير أن الاستقرار الذي يجعلها مصدر عيش يمكن أن يختفي.
طبيبة تؤجل مهنتها
أما بيحا الأمين، فقد كان الانتقال أكثر وضوحاً.
قبل النزاع المسلح، جمعت بين الطب والعمل الثقافي والموسيقى. وبعد وصولها إلى كمبالا، لم تحاول ممارسة الطب.

وتعزو بيحا تأجيل عودتها إلى المهنة إلى تكلفة الطريق إليها، أكثر من غياب الرغبة فيها، بحسب قولها.
فممارسة الطب في أوغندا تتطلب إجراءات لمعادلة الشهادة والترخيص، وتقول بيحا إن الكلفة التي واجهتها كانت في حدود 400 إلى 500 دولار؛ مبلغ أصبح صعب التوفير في ظل ضغوط السكن والمعيشة وبناء الحياة من جديد.
وهكذا تغير ترتيب الأولويات.
بدلاً من الطب، أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على العمل الحر والإنتاج الموسيقي الرقمي، وتبحث باستمرار عن مصادر دخل أخرى.
في حالة بيحا، احتفظت الشهادة بقيمتها العلمية، غير أن الوصول إلى السوق الذي يسمح باستخدامها أصبح له ثمن لم تستطع دفعه في تلك اللحظة.
من الإعلام إلى المطبخ
على بعد مسافة من كمبالا، في كرياندونغو، اتخذ ياسر السعاتي طريقاً مختلفاً تماماً.
عمل ياسر في السودان في التبريد والتكييف، وإلى جانب ذلك امتلك تجربة طويلة في الإعلام. ويقول إنه عمل في الإنتاج والإخراج الإذاعي، من بينها سنوات مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، إضافة إلى تجارب مع مؤسسات إعلامية سودانية.
اليوم يعمل طباخاً ويدير مطعماً.
لم تكن المحاولة الأولى ناجحة.
يقول إنه افتتح مطعماً في كمبالا من دون معرفة كافية بالسوق أو دراسة جدوى مناسبة، وخسر، وفق تقديره، نحو 25 ألف دولار.
باع المشروع وانتقل إلى بيالي في كرياندونغو، حيث بدأ من جديد بمطعم أصغر.
«الآن أمتلك هذا المطعم وأعمل فيه كطباخ ولدي عملاء. العمل جيد نوعاً ما. هناك أيام يكون فيها الشغل جيداً، وأيام أخرى متوسطاً، وأيام لا يوجد فيها عمل، لكنه في النهاية قادر على أن يعيشني».
بالنسبة إلى ياسر، التحول لم يكن مجرد وظيفة اضطر إليها مؤقتاً. لقد أصبح يتعامل مع المطاعم بوصفها مهنة جديدة.
«من شخص كان إعلامياً يعمل خلف الكواليس، إلى شخص أصبح طباخاً. هذا التحول فيه مساوئ ومحاسن، وفيه كثير من الدروس».
وتقدم تجربته وجهاً لا تقوله قصص الخسارة وحدها: البدء من الصفر يمكن أن يفشل في المحاولة الأولى، ثم يتحول إلى مصدر دخل في المحاولة التالية.
عندما يتوقف المشروع تماماً
لكن في كرياندونغو أيضاً، تبدو الخيارات أكثر ضيقاً بالنسبة إلى آخرين.
سارة، وهو اسم مستعار، كانت طالبة جامعية وتدير مشروعاً للمنتجات النسائية في السودان، وله نقاط بيع في أكثر من مدينة.
النزاع المسلح أوقف المشروع، والنزوح قطع مصدر دخلها.
تقول لـ«سودان ستوري» إن الحرب «دمرت كل ما كنا نعتمد عليه»، وإنها أصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية لتوفير احتياجاتها الأساسية.
أصبح السؤال بالنسبة إليها كيف تجد رأس مال وسوقاً وموارد تسمح لها بالبدء من جديد، بعدما كان يتعلق بتطوير مشروعها القديم.
وتنسجم تجربتها مع ما رصدته دراسة REACH في كرياندونغو؛ حيث واجهت 68% من الأسر السودانية التي شملها المسح عوائق أمام سبل كسب العيش، وكان غياب فرص العمل أبرزها. كما وجد التقييم أن 66% من الأسر وقعت ضمن فئتي «الأزمة» أو «الطوارئ» وفق مؤشر استراتيجيات التكيف المعيشي.
ماذا يسافر مع اللاجئ؟
هذه التجارب لا تروي قصة واحدة.
- أيمن فقد وظيفة بناها خلال اثني عشر عاماً.
- أحمد حمل خبرة الهندسة معه، لكنه يعمل خارج مسارها.
- فتح الرحمن حافظ على مهنته وفقد استقرار راتبها.
- بيحا تملك شهادة الطب، لكن كلفة العودة إلى المهنة أبقتها خارجها.
- ياسر غير مهنته تماماً ونجح، بعد خسارة أولى، في بناء مصدر دخل جديد.
- وسارة لا تزال عند نقطة البحث عن إمكانية البداية.
وما تكشفه هذه التجارب مجتمعة هو أن المهنة لا تعبر الحدود بالسهولة نفسها التي يعبر بها صاحبها.
فالشهادة تحتاج غالباً إلى معادلة رسمية، وقد لا تجد الخبرة سوقاً يعترف بقيمتها. العمل نفسه يتطلب لغة وشبكات وعلاقات لم تكن قائمة من قبل، أما المشروع فيحتاج غالباً إلى رأس مال جديد لم يعد متوفراً.
قد يستطيع البعض تجاوز تلك العوائق، بينما يضطر آخرون إلى تغيير مهنتهم، وثمة من لا يجد في انتظار الفرصة سوى المساعدات.
لهذا لا تبدو عبارة أيمن، «أبدأ من الصفر»، مجرد وصف شخصي.
إنها تصف المسافة بين الحياة التي كان يعرفها كثير من السودانيين قبل النزاع المسلح، والحياة التي يحاولون بناءها بعدها.
وفي كل صباح، يعود أيمن إلى حاسوبه ويبحث عن عمل.
لا يعرف بعد أين ستكون بدايته الجديدة.
لكنه يعرف أنه لم يعد يملك طريقاً آخر.

