تحذيرات من محمد حسن التعايشي ومحمد الفكي سليمان ومسؤولين في دارفور تتقاطع مع مؤشرات أممية عن ضعف الأمطار والجوع الحاد ومخاطر تراجع الإنتاج، فيما تتمسك وزارة الزراعة في بورتسودان بخطاب أكثر تفاؤلاً بشأن الأمن الغذائي.
تقرير | سودان ستوري
في نوفمبر 1983، بعث حاكم إقليم دارفور آنذاك أحمد إبراهيم دريج برسالة إلى الرئيس جعفر نميري يحذر فيها من مجاعة وشيكة إذا لم يتحرك السودان مبكراً ويطلب دعماً غذائياً دولياً. لم يجد التحذير الاستجابة التي كان يطالب بها، وبعد أشهر خرجت الأزمة من نطاق الإنذار إلى مجاعة واسعة ضربت دارفور وكردفان ومناطق أخرى خلال عامي 1984 و1985.
بعد ثلاثة وأربعين عاماً، تعود «رسالة المجاعة» إلى الخطاب السوداني.
في 24 أغسطس، وجّه محمد حسن عثمان التعايشي، رئيس وزراء السلطة التي شكلها تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» وتطلق على نفسها «حكومة السلام»، ولا تحظى حتى الآن باعتراف دولي، خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، محذراً من مخاطر اتساع أزمة الغذاء والمجاعة في السودان والمنطقة.
وتكمن أهمية الرسالة في عامل ثالث يتجاوز الجهة المرسلة واستحضار تجربة دريج: فبعد أيام من إرسالها، نشرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» مؤشرات حديثة عن موسم 2026 تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل يدخل السودان مرحلة يمكن أن يتجاوز فيها خطر الجوع مناطق الحصار والقتال إلى أزمة أوسع يفاقمها تراجع الموسم الزراعي نفسه؟
تحذير يتجاوز موقعاً سياسياً واحداً
التعايشي ليس وحده.
محمد الفكي سليمان، عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق والقيادي في تحالف «صمود»، حذر بدوره من خطر المجاعة في السودان خلال حديثه عن التداعيات الإنسانية لاستمرار النزاع المسلح.
وتحمل هذه المفارقة دلالة سياسية لافتة. فالفكي والتعايشي كانا معاً عضوين مدنيين في مجلس السيادة الانتقالي، قبل أن تقودهما تطورات السنوات اللاحقة والنزاع المسلح إلى موقعين سياسيين مختلفين. لكنهما يلتقيان اليوم عند تحذير واحد: استمرار النزاع المسلح وتدهور الظروف الاقتصادية والإنسانية قد يدفعان البلاد إلى أزمة غذائية أشد.
وفي دارفور، حذر الصادق خميس برنقو، وزير الزراعة والموارد الطبيعية بحكومة الإقليم، مطلع سبتمبر من تدهور الوضع الغذائي، رابطاً ذلك بشح الأمطار وتضرر الأراضي الزراعية والمراعي، إلى جانب آثار النزاع المسلح على المزارعين والإنتاج.
وهكذا بدأ إنذار الغذاء يظهر من مواقع سياسية مختلفة، في بلد يكاد كل شيء فيه يخضع للاستقطاب.
الأرقام التي جاءت بعد الرسالة
الأهم أن البيانات الفنية لا تسمح بالتعامل مع تلك التحذيرات باعتبارها مجرد خطاب سياسي.
في أحدث تقييماتها مطلع سبتمبر، أبدت منظمة الأغذية والزراعة قلقاً بشأن محصول الحبوب في السودان خلال 2026 بسبب ثلاثة عوامل متداخلة: ضعف الأمطار في مناطق إنتاج رئيسية، واستمرار النزاع المسلح وانعدام الأمن، ونقص مدخلات الإنتاج الزراعي.
وانتهت زراعة معظم محاصيل الحبوب بحلول منتصف أغسطس، على أن يبدأ الحصاد خلال الأشهر التالية. لكن الأمطار التراكمية جاءت أقل من المتوسط في أجزاء مهمة من مناطق الإنتاج، بما أثر على إنبات المحاصيل واستقرارها.
وتبرز في هذا السياق ولايتا القضارف وسنار، وهما من أهم أحزمة إنتاج الذرة في السودان. وتشير تقديرات الفاو إلى أن الأمطار بين يونيو ومنتصف أغسطس جاءت أقل من المتوسط طويل الأجل بنحو 20 في المئة في سنار و30 في المئة في القضارف.
كما رصدت مؤشرات الإجهاد الزراعي أوضاع جفاف مؤثرة في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بالولايتين.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية إضافية كونها تصيب اقتصاداً زراعياً أنهكه النزاع المسلح بالفعل، وأضعف قدرته على الزراعة والنقل والتخزين والتسويق.
19.5 مليوناً يواجهون الجوع الحاد
يستند خطاب التعايشي إلى تقدير أممي بأن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
والرقم يعكس بالفعل حجم الأزمة، لكنه يحتاج إلى وضعه في سياقه الزمني.
فبحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، واجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي قرابة 41 في المئة من السكان، مستوى «الأزمة» أو ما هو أسوأ خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026.
وكان أكثر من خمسة ملايين منهم في مرحلة «الطوارئ»، فيما بلغ عدد من وصلوا إلى مرحلة «الكارثة» نحو 135 ألف شخص.
واكتفى المحللون، بسبب نقص البيانات وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع المسلح، بتحديد عدد من المناطق في دارفور وجنوب كردفان باعتبارها معرضة لخطر المجاعة إذا تدهورت حركة الغذاء والمساعدات أو تصاعد القتال، من دون التوصل إلى إسقاط وطني كامل للفترة التالية.
كما وضع تقرير مشترك للفاو وبرنامج الأغذية العالمي السودان ضمن أعلى بؤر الجوع إثارة للقلق عالمياً.
وتعني هذه المعطيات أن ملايين الأشخاص يعيشون بالفعل مستويات حادة من الجوع في مناطق محددة تقف على حافة يمكن أن يدفعها إليها النزاع المسلح أو انهيار الوصول الإنساني أو فشل الموسم الزراعي، وسط تفاوت واسع في الحال بين مناطق السودان المختلفة، من دون أن يعني ذلك أن مجاعة شاملة أصبحت حتمية.
«السودان لن يجوع»
في المقابل، ظل الخطاب الرسمي الصادر عن وزارة الزراعة في بورتسودان أكثر تفاؤلاً.
ففي مايو، قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي إن السودان لا يعاني نقصاً عاماً في الغذاء، مشيراً إلى توفر إنتاج من الذرة وخطط لزيادة المساحات المزروعة.
وفي أغسطس، كرر الوزير تفاؤله بالموسم الزراعي وقال إن «السودان لن يجوع»، مستنداً إلى زيادة تمويل الموسم وخطط توسيع الإنتاج.

لكن البيانات التي ظهرت لاحقاً عن الأمطار في مناطق زراعية رئيسية أضافت عاملاً جديداً إلى الحسابات.
فالحصاد النهائي لم يبدأ بعد، ومن المبكر إصدار حكم قاطع على حجم إنتاج 2026. كما أن توزيع الأمطار والإنتاج يختلف بشدة بين الولايات. لكن المؤشرات المتاحة تكشف على الأقل عن فجوة بين خطاب رسمي شديد التفاؤل وبين منظومة إنذار دولية ترى مخاطر متزايدة وتدعو إلى الاستعداد المبكر.
ليست أزمة إنتاج فقط
قد تكون المشكلة الأكبر في السودان أن قياس الأمن الغذائي بكمية الحبوب المنتجة وحدها لم يعد كافياً.
يمكن أن يتوفر الغذاء في منطقة بينما يعجز السكان عن الحصول عليه في منطقة أخرى. ويمكن أن توجد الحبوب في السوق لكن بسعر لا تستطيع الأسرة دفعه.
النزاع المسلح غيّر خريطة الغذاء نفسها.
تعطلت طرق، وأخليت مناطق زراعية من سكانها، وارتفعت تكلفة الوقود والمدخلات، وتضررت الأسواق، وأصبح الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية محفوفاً بالمخاطر.
وتشير تقديرات دولية إلى أن أسعار سلع غذائية أساسية، من بينها الذرة والدخن، أصبحت أعلى بعدة أضعاف من مستويات ما قبل النزاع المسلح.
وهكذا تصبح أزمة الغذاء نتيجة سلسلة مترابطة: المزارع يحتاج إلى الأمن والتمويل والتقاوي والوقود، والمحصول يحتاج إلى طريق يصل به إلى السوق، والسوق يحتاج إلى مستهلك قادر على الشراء، والمناطق التي تفشل فيها هذه السلسلة تحتاج إلى مساعدات إنسانية تستطيع هي الأخرى عبور خطوط القتال.
ولهذا لا تنظر الوكالات الإنسانية إلى ضعف الأمطار بوصفه سبباً منفرداً للمجاعة. النزاع المسلح يظل العامل الأكبر في تدمير سبل العيش وتعطيل الأسواق وعرقلة وصول المساعدات، بينما يأتي ضعف الموسم الزراعي ليضيف ضغطاً جديداً فوق أزمة قائمة أصلاً.
من دريج إلى التعايشي
هنا تكتسب عودة اسم أحمد إبراهيم دريج معناها.
فعندما كتب تحذيره عام 1983، كانت إشارات الجفاف وتراجع الإنتاج موجودة قبل أن تتسع الكارثة. وبقيت الرسالة لاحقاً جزءاً من ذاكرة المجاعة في السودان: إنذار جاء مبكراً، لكن الاستجابة جاءت متأخرة.
إلا أن المقارنة بين 1983 و2026 ليست حرفية.

السودان هذه المرة يدخل خطر موسم زراعي ضعيف بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع المسلح. ملايين الأشخاص نزحوا، وتعرضت الأسواق وطرق الإنتاج والنقل للانهيار أو التعطيل، وأصبحت قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان جزءاً من معادلة النزاع المسلح نفسها.
لذلك لا يكفي أن تهطل الأمطار.
ينبغي أن يستطيع المزارع الوصول إلى أرضه، والحصول على التقاوي والوقود والتمويل، ثم نقل محصوله إلى السوق. وينبغي أن يستطيع المستهلك شراء الغذاء، وأن تصل المساعدات إلى المناطق التي لم تعد الأسواق قادرة على تغطيتها.
في رسالته إلى غوتيريش، دعا التعايشي إلى تقييم عاجل للأمطار والمساحات المزروعة والإنتاج المتوقع، والتخزين المسبق للغذاء والأدوية، ودعم المزارعين والرعاة، وفتح مسارات المساعدات عبر الحدود وخطوط المواجهة، وإنشاء آلية أممية للإنذار المبكر.
والمفارقة أن معظم هذه الأدوات ليست جديدة على المؤسسات الإنسانية الدولية. فالإنذارات موجودة، والخرائط موجودة، والمناطق الأكثر عرضة للخطر معروفة بدرجات متفاوتة.
ولهذا يتجاوز السؤال الذي يواجه السودان اليوم مجرد معرفة العالم بالخطر، ليصل إلى سؤال أصعب: هل ستتحول المعرفة هذه المرة إلى استجابة تسبق المجاعة، أم يعيد السودان بعد 43 عاماً إنتاج الفجوة نفسها بين الإنذار المبكر والكارثة؟

