نيروبي: عباس محمد إبراهيم

خلال 24 ساعة، قالت السلطة القائمة في بورتسودان إن الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي بارك حوار الداخل ووصفه بالطريق الأقصر للسلام، بينما قالت «تأسيس» إنه أبلغها أن ترحيب رئيس المفوضية بالحوار لا يمثل إرادة الاتحاد. لكن ما قاله ندايشيميي بنفسه لم يؤكد أياً من الروايتين.

السؤال الأهم في زيارة غيتيغا يتعلق بما قاله الرجل الذي استقبل وفد «تأسيس» فعلياً، أكثر مما يتعلق بما حمله ذلك الوفد إليه.

رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيميي

ففي أقل من أربع وعشرين ساعة، خرج من السودان موقفان متعارضان منسوبان إلى الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي، الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي: رواية من السلطة القائمة في بورتسودان تجعله مؤيداً للحوار الذي يجري الإعداد له داخل السودان، وأخرى من «تأسيس» تقول إنه أبلغ وفدها بأن ترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بذلك الحوار لا يمثل إرادة الاتحاد.

لكن عندما تحدث ندايشيميي بنفسه، اختار صياغة ثالثة أكثر حذراً: قال إنه استقبل في 10 يوليو وفداً أرسله عبد الفتاح البرهان من الخرطوم، ثم استقبل في 4 سبتمبر وفداً أرسله محمد حمدان دقلو، وإن المحادثات مع الطرفين أتاحت لهما تأكيد تمسكهما باستعادة سلام دائم في السودان.

ولم يتضمن إعلانه العلني تأييداً صريحاً لحوار السلطة القائمة في بورتسودان، كما لم يتضمن انتقاداً لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف.

وهنا تبدأ الفجوة التي لا تظهر في أخبار الزيارات المتعاقبة: تنافس طرفي النزاع المسلح يتجاوز الأرض ومسارات التفاوض ليشمل أيضاً تفسير موقف المؤسسة الأفريقية، وتوظيفه باعتباره أقرب إلى رواية كل طرف.

رواية السلطة القائمة في بورتسودان

في الخامس من سبتمبر، قالت وكالة السودان للأنباء إن البرهان أجرى اتصالاً هاتفياً بندايشيميي، ونسبت إلى الرئيس البوروندي ترحيبه بمبادرة اللجنة المستقلة للحوار السوداني–السوداني داخل البلاد، ووصفه لها بأنها «الأقصر لتحقيق السلام الشامل».

عيد الفتاح البرهان

وقالت «سونا» أيضاً إن ندايشيميي أشاد بالإجراءات التي اتخذتها السلطة في الخرطوم لتهيئة بيئة الحوار، بما في ذلك مراجعة الإجراءات القانونية بحق معارضين، وأعرب عن أمله في عودة السودان إلى نشاطه داخل الاتحاد الأفريقي.

بهذه الصياغة، بدا موقف الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي متطابقاً تقريباً مع موقف مفوضية الاتحاد الأفريقي، التي كانت قد رحبت في 31 أغسطس بمبادرة للحوار السوداني داخل السودان تحت إشراف لجنة مستقلة من الشخصيات السودانية.

لكن بيان المفوضية نفسه كان أكثر تحفظاً من الطريقة التي جرى بها توظيفه سياسياً. فقد اشترط أن تشمل المشاورات جميع القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، وأن تقود العملية في نهايتها إلى سودان موحد تحكمه مؤسسات مدنية شرعية، وبنية أمنية وطنية واحدة. كما ربط المبادرة بخريطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار الآلية الخماسية، لا بعملية سياسية منفصلة تقودها سلطة طرف واحد.

ثم جاءت رواية «تأسيس»

بعد يوم واحد، قدمت «حكومة السلام الانتقالية» التابعة لتحالف «تأسيس» رواية مختلفة جذرياً عن موقف الرئيس نفسه.

وفد من حكومة تأسيس في ضيافة رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيميي

وقالت في بيانها إن وفدها سلّم ندايشيميي احتجاجاً رسمياً على ترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بالحوار، ونسبت إليه القول إن «تصريحات رئيس المفوضية لا تمثل إرادة الاتحاد»، وإن الاتحاد يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

وإذا صحت هذه العبارة حرفياً، فإنها تكشف عن تباين علني بين الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي ورئيس مفوضيته بشأن واحد من أكثر ملفات السودان حساسية، لا مجرد تفصيل بروتوكولي بسيط.

لكن هذه العبارة لا تظهر في الإعلان الذي نشره ندايشيميي بنفسه عن اللقاء.

وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد اختلاف في الروايات. فالرئيس البوروندي كان يملك، بعد صدور بيان «تأسيس»، فرصة لتأكيد ذلك الموقف أو تبنيه علناً، لكنه اختار بدلاً من ذلك صياغة محايدة تضع البرهان ودقلو في مستوى واحد كطرفين يجري التواصل معهما بشأن السلام.

ما لم يقله ندايشيميي

لعل الأهم في تصريحات ندايشيميي هو ما امتنع عن قوله، بقدر ما هو ما صرّح به فعلاً.

فالإعلان الذي نشره بعد اللقاء اكتفى بوصف الجانب الآخر بعبارة مباشرة: «وفد محمد حمدان دقلو»، متجاوزاً الألقاب والمسميات المؤسسية التي يعتمدها تحالف «تأسيس» لوصف هيئاته، مثل «حكومة السلام الانتقالية»، و«وزير شؤون مجلس الوزراء» بالإشارة إلى إبراهيم الميرغني، و«المجلس الرئاسي».

ولهذا الاختيار دلالته.

فمجلس السلم والأمن الأفريقي كان قد جدد في فبراير 2026 رفضه الصريح لما سماه «الحكومة الموازية» التي أنشأها تحالف «تأسيس» بقيادة قوات الدعم السريع، وطالب الدول الأعضاء والشركاء بعدم الاعتراف بها. وفي البيان نفسه أكد تمسك الاتحاد بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

لذلك فإن استقبال وفد أرسله دقلو يمكن قراءته باعتباره اتصالاً مع أحد طرفي النزاع المسلح، لكنه لا يساوي اعترافاً بالحكومة الموازية.

وهذه نقطة غابت إلى حد بعيد عن التغطية التي قدمت اللقاء باعتباره زيارة رسمية لحكومة «تأسيس» إلى رئيس الاتحاد الأفريقي.

لكن الاتحاد نفسه ليس في موقع واحد تماماً

المشهد أكثر تعقيداً من تنافس السلطة القائمة في بورتسودان و«تأسيس» على الرواية.

فالقرارات الأفريقية الرسمية تحمل بدورها أكثر من مستوى.

محمود علي يوسف يبحث مع بلعيش إعادة فتح مكتب اتصال الاتحاد الأفريقي في الخرطوم يونيو ٢٠٢٦م أديس أبابا.

من جهة، يرفض مجلس السلم والأمن الحكومة الموازية ويطالب بعدم الاعتراف بها. ومن جهة أخرى، يؤكد أن النزاع المسلح لا يملك حلاً عسكرياً مستداماً، ويدعو إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف إطلاق النار، ثم إلى حوار سوداني شامل يعالج الجوانب الأمنية والسياسية وجذور النزاع.

كما يدعو المجلس إلى استئناف حوار سوداني–سوداني تحت مظلة عملية يقودها الاتحاد الأفريقي، بالتنسيق مع إيغاد والأمم المتحدة ودول الجوار والمسارات الإقليمية والدولية الأخرى، ويؤكد مركزية قيادة الاتحاد للعملية السياسية.

وهذا يعني أن الاتحاد لا يتبنى، في قراراته الرسمية، صيغة بسيطة تقول إن العملية السياسية ينبغي أن تكون تحت إدارة السلطة القائمة في بورتسودان، كما لا يمنح «تأسيس» شرعية حكومية.

المعادلة الأفريقية أكثر دقة: رفض تقسيم السلطة الدستورية بين حكومتين، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف النزاع المسلح، والدفع نحو عملية سياسية أشمل.

معركة الشرعية قبل التفاوض

لهذا تبدو زيارة غيتيغا أقل أهمية من المعركة التي تكشفت حولها.

السلطة القائمة في بورتسودان تريد أن تقدم الاتحاد الأفريقي باعتباره داعماً لمسار الحوار الذي يجري ترتيبه في الداخل.

و«تأسيس» تريد أن تقدم الرئيس الدوري للاتحاد باعتباره مصححاً لموقف رئيس المفوضية، ورافضاً لأن يحتكر خصومها تعريف العملية السياسية.

أما ندايشيميي، في خطابه العلني، فقد تجنب منح أي من الطرفين هذا الانتصار.

لقد وضع وفد البرهان ووفد دقلو في صياغة واحدة، وربط لقاءيهما بهدف واحد: السلام.

وهذا قد يكون أكثر ما تكشفه الواقعة أهمية.

فالمرحلة المقبلة من المسار السوداني ستدور حول أكثر من مجرد من يجلس إلى طاولة التفاوض؛ إذ يمتد الرهان إلى من يملك الاعتراف الإقليمي، ومن يستطيع إقناع المؤسسات الأفريقية بأن رؤيته هي الإطار الشرعي للحل.

وبين السلطة القائمة في بورتسودان و«تأسيس»، يبدو أن الاتحاد الأفريقي نفسه أصبح جزءاً من هذه المعركة على الشرعية.

أما موقفه المؤسسي، كما يظهر في قراراته الرسمية حتى الآن، فلا يزال أكثر تعقيداً من الروايتين معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *