نيروبي — عادت مناجم الذهب قرب الحدود السودانية المصرية إلى واجهة الأخبار بعدما أفاد معدّنون وشهود ومصادر طبية بتعرض مواقع للتعدين الأهلي في منطقة شمال الوادي لغارات جوية يوم السبت 10 أكتوبر 2026، وفي اليوم السابق أيضاً بحسب راديو دبنقا، أسفرت عن قتلى وجرحى وفرار مئات العمال إلى الجبال. واتهم معدّنون سودانيون الطيران المصري بتنفيذ الضربات، فيما قالت الصحف التي نقلت شهاداتهم إنها لم تتمكن من تحديد هوية الطائرات بصورة مستقلة، وبقي العدد النهائي للضحايا غير محسوم.
وفي تطور مستقل نشرته وكالة أسوشيتد برس يوم الأحد 11 أكتوبر، نقلت عن «شبكة أطباء السودان» مقتل 13 معدّناً على الأقل وإصابة 28 آخرين في ضربة جوية يوم السبت بمنطقة «المثلث الحدودي» بين السودان ومصر وليبيا. وقال أحد الناجين للوكالة إن طائرة مجهولة قصفت موقع تعدين في منطقة جبلية. وذكرت شبكة أطباء السودان، بحسب الوكالة، أن السلطات المصرية سبق أن حذّرت المعدّنين من البقاء في المنطقة. ولم تحدد الوكالة هوية الطائرة. ولم يتضح من المعطيات المتاحة ما إذا كان الموضع الذي أحصت فيه الشبكة الضحايا هو موقع العقيدات ذاته الذي تناولته شهادات الصحف السودانية، أو موقعاً آخر في النطاق الحدودي؛ لذلك لا نجمع الحصيلتين ولا نعدّ أيّاً منهما رقماً نهائياً.
الصورة الرئيسية أرشيفية للصحراء النوبية بين وادي حلفا ودنقلا عام 2013، ولا تعرض موقع المناجم أو الضربة. تصوير: David Stanley / Wikimedia Commons — CC BY 2.0.
تكشف الواقعة خلافاً يتجاوز هوية المهاجم إلى موقع الضربات نفسه: هل سقطت القنابل داخل الأراضي السودانية، كما تقول روايات محلية وتحالفات سياسية، أم في منطقة تعدها السلطات المصرية ضمن نطاق عملياتها الحدودية؟ وحتى 11 أكتوبر، لم يظهر تحقيق جغرافي مستقل يحدد إحداثيات المواقع التي استُهدفت، بينما تباينت الروايات الصحفية بشأن التبعية الإدارية للمناجم.
إفادات من المناجم ومستوصف صغير
نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن المعدّن ميرغني مالك قوله إن طائرات حربية شنت أكثر من خمس غارات على مواقع المعدّنين في منجم العقيدات، قرب سوق الأنصاري للتعدين في ولاية نهر النيل، وإن ما لا يقل عن عشرين مصاباً نُقلوا إلى السوق لتلقي الإسعافات. وقال إن آلاف المعدّنين فرّوا إلى المرتفعات الجبلية وسط نقص في مياه الشرب. ولم تتمكن الصحيفة من توثيق حصيلة القتلى، ولم تعلّق السلطات السودانية على الغارات.
وقدم موقع «دارفور 24» رواية تفصيلية استندت إلى مصدر طبي في سوق الأنصاري وشاهد عيان اسمه أنس إبراهيم أحمد. وقال الموقع إنه حصل على قائمة بأكثر من عشرين جريحاً وصلوا إلى مستوصف الجزيرة الطبي، الذي لا تتجاوز سعته خمسة أشخاص بحسب المصدر الطبي، وإن بعض المصابين يحتاجون إلى جراحة عاجلة ونُقل آخرون إلى عطبرة وبورتسودان. وأفاد الشاهد بأن طائرة حربية سريعة حلقت فوق المنطقة صباح السبت في عملية استطلاع، ثم عادت وقصفت مواقع العمل وإقامة المعدّنين.
وأكدت أسر مقتل اثنين على الأقل من الضحايا، بحسب الموقع نفسه: أبو القاسم محمد حامد من أم درمان، الذي قال قريبه إنه قُتل مع أقارب وأصدقاء، وجيدو شامين عبد الله من لبدو جنوب شرق نيالا، الذي عمل في مناطق التعدين سنوات.
أما «راديو دبنقا» فذكر أن الغارات شملت منجم «حنجلية» في شمال الوادي يومي الجمعة والسبت، ونقل اتهامات من معدّنين للطيران المصري، مع الإشارة إلى تداول أسماء لضحايا من مناطق سودانية مختلفة. والمواد المنشورة حتى الآن غير كافية لتحديد ما إذا كان «حنجلية» و«العقيدات» اسمين لموقع واحد أو موقعين أصيبا في هجومين منفصلين.
53 أم أكثر من 200؟ لماذا لا توجد حصيلة موحدة؟
ظهرت ثلاثة مستويات مختلفة من الأرقام. تحدث شهود وتغطيات صحفية عن عشرات القتلى والجرحى من دون قوائم نهائية. ونشر موقع «أثير نيوز» حصيلة أولية متداولة تبلغ 53 قتيلاً، من دون أن يسمّي مصدرها. وفي المقابل، قال تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، الذي يضم قوات الدعم السريع وحلفاءها، في بيان صدر الأحد 11 أكتوبر، إن الهجوم الذي نسبه إلى الطيران المصري أوقع أكثر من 200 قتيل، مطالباً بتحقيق دولي مستقل. ولم تقدم المصادر المتاحة لـ«سودان ستوري» سجلاً طبياً أو كشف أسماء مستقلاً يثبت الرقم الأكبر أو يحسم العدد النهائي.
وتوفر قائمة الجرحى التي حصل عليها «دارفور 24» مؤشراً توثيقياً على وصول مصابين إلى مركز طبي محدد، ويظل عدد القتلى بحاجة إلى توثيق منفصل. ويتطلب الوصول إلى حصيلة قابلة للتحقق مطابقة قوائم المستوصفات والمستشفيات ومواقع الدفن، وفصل ضحايا أكتوبر عن ضحايا الهجمات السابقة.

اتهامات سياسية وموقف رسمي غائب
أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، الأحد، أن شهود عيان أفادوا بتنفيذ طيران حربي مصري غارات على منجم العقيدات، ودعا السلطة القائمة في بورتسودان إلى إعلان موقف واضح وتحمل مسؤولياتها في حماية المدنيين، وطالب بتحقيق مستقل وعاجل. كما اتهم «تأسيس» القاهرة مباشرة، واتهم سلطات مرتبطة بالجيش بالتواطؤ. وهذه مواقف سياسية تستند إلى روايات معلنة، ويبقى التحقيق الفني في الطائرات والذخائر والإحداثيات هو ما يحسم المسؤولية.
ولم يصدر عن سلطات البلدين بيان رسمي بشأن غارات أكتوبر، بحسب «دارفور 24». ويختلف ذلك عن بيان مصري سابق تناول حملة حدودية في يونيو.
ففي يونيو أعلن الجيش المصري تنفيذ حملة أمنية في نطاق منطقته العسكرية الجنوبية ضد تهريب السلاح والمخدرات والتنقيب غير المشروع والهجرة غير النظامية، وقال إنه أوقف 223 شخصاً، بينهم 87 مصرياً و136 أجنبياً. ولم يتضمن البيان أي إشارة إلى غارات أكتوبر، التي وقعت بعده بأشهر.
وفي مقابلة نُشرت في سبتمبر مع صحيفة «الشروق» المصرية، قال الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة، رداً على سؤال عن وقائع التعدين في وادي العلاقي خلال يونيو، إن الأحداث جرت داخل الحدود المصرية، وروى احتكاكاً بين قوات مصرية ومجموعات تضم معدّنين وعربات مسلحة سودانية. ويخص تصريحه الوقائع السابقة، ولا يحدد موقع هجمات أكتوبر.
حدود الذهب.. جغرافيا لم تُحسم
يعمل في التعدين الأهلي في السودان أكثر من مليوني شخص، وينتج أكثر من 80% من ذهب البلاد، بحسب «سودان تربيون». وتنقل الصحيفة عن مصادر محلية أن حرس الحدود المصري يتهم معدّنين سودانيين بالتسلل إلى الأراضي المصرية والتنقيب العشوائي قرب موقع تديره شركة تعدين مصرية.
وتختلف التقارير السودانية نفسها في وصف التبعية الإدارية لسوق الأنصاري والمناجم المحيطة: «سودان تربيون» و«أثير نيوز» تضعانها في ولاية نهر النيل، و«دارفور 24» تضع المنطقة شمال بورتسودان في ولاية البحر الأحمر. ويبقى أي تحقيق في السيادة أو موقع القصف بحاجة إلى إعادة بناء الطريق من السوق إلى المناجم، وتحديد الإحداثيات من صور أصلية وشهادات مباشرة يمكن مطابقتها على خرائط الأقمار الصناعية.
وقد وثقت شبكة «عاين» في يونيو شهادات لعمال وناجين قالوا إن مواقع في شمال الوادي تعرضت للقصف داخل نطاق سوداني. في المقابل نشر موقع «مدى مصر» تحقيقاً عن هجمات الشهر نفسه وصف فيه موقعاً في جبل العقيدات بأنه شمال مثلث حلايب وداخل مصر. وقد تتحدث الإفادات عن نقاط مختلفة ضمن رقعة تعدين واسعة، فموقع إحدى ضربات يونيو يظل دليلاً على تلك الضربة وحدها.
من يُسعف العمال ومن يحقق؟
تطرح الهجمات أسئلة عملية عاجلة على سلطات البلدين: من يضمن علاج الجرحى الذين نُقل بعضهم إلى عطبرة وبورتسودان؟ وأين قوائم المفقودين والمتوفين؟ وهل توجد خرائط رسمية تحدد مواقع التعدين المسموح بها، وسجلات لعمليات جوية أجريت في ذلك النطاق؟ وادعاءات عبور الحدود أو مخالفة تراخيص التعدين، إن ثبتت، تبقى قاصرة عن تبرير استهداف العاملين عسكرياً.
وسبق أن تناولت «سودان ستوري» هجمات يونيو في تقرير «ذهب الحدود والدم الصامت». وتعيد تطورات أكتوبر القضية إلى اختبار أوسع من كشف الجهة التي حلقت طائراتها فوق الصحراء: تقديم أدلة علنية على عدد من قُتلوا، وهوية الضحايا، والمكان الذي سقطت فيه القنابل. وإلى أن تتوافر تلك الأدلة، يبقى الاتهام الموجه إلى مصر منسوباً إلى أصحابه، مع إعطاء شهادات الناجين والمصابين وزنها الكامل.
إعداد: فريق سودان ستوري
المصادر
- «سودان تربيون»، 10 أكتوبر 2026.
- «دارفور 24»، 11 أكتوبر 2026.
- «راديو دبنقا».
- «أثير نيوز»، 11 أكتوبر 2026.
- بيان «تأسيس»، 11 أكتوبر 2026.
- «تاق برس»، بيان «صمود»، 11 أكتوبر 2026.
- وزارة الدفاع المصرية، بيان يونيو 2026.
- «عاين» و«مدى مصر»، يونيو 2026.
الأرقام الواردة معلنة من مصادرها، ولم تتحقق منها «سودان ستوري» ميدانياً.

