حين يُغلق النزاع الطريق أمام الغذاء، ويصبح الحصول على الماء النظيف أصعب، ويتراجع العلاج في الوقت ذاته، تتجاوز المجاعة مسألة المحاصيل والأسعار. هذا هو جوهر الإنذار الجديد الذي أصدره التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) بشأن السودان في 12 أكتوبر 2026: خطر المجاعة يتصاعد في أجزاء من دارفور وكردفان، بينما تتقلص الوسائل التي يمكن بها حماية الناس من الجوع والمرض.
الصورة الرئيسية: الدلنج في جنوب كردفان، 10 مارس 2023 (صورة أرشيفية). لا تُظهر الصورة الأوضاع الميدانية أو الغذائية في أكتوبر 2026. تصوير Jeezbabo / ويكيميديا كومنز، CC BY-SA 4.0.
باختصار
- أصدر IPC في 12 أكتوبر 2026 إنذاراً بتصاعد خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان.
- سجلت مسوح تغذية منذ يناير 2026 مستويات حرجة من سوء التغذية الحاد في مناطق واسعة من دارفور الكبرى.
- تقول منظمة الصحة العالمية إن 37% من المرافق الصحية في السودان توقفت عن العمل بحلول 2026.
- كان 23% فقط من نداء المنظمة البالغ 97.7 مليون دولار مموّلاً عند صدور بيانها.
يقتصر الإنذار على مناطق بعينها في دارفور وكردفان، ويتفاوت مستوى الخطر بينها. يتحدث IPC عن أدلة جديدة وتدهور في مواقع متفرقة، مع اختلاف طبيعة البيانات ونطاق التغطية. والتمييز هنا أساسي؛ فالإنذار المبكر أداة لحماية الأرواح قبل الوصول إلى أعلى مستويات الكارثة.
بحسب التنبيه الأصلي لـIPC، سجلت مسوح تغذية من نمط SMART أُجريت منذ يناير 2026 مستويات حرجة من سوء التغذية الحاد في مناطق واسعة من دارفور الكبرى. وتشير البيانات إلى ارتفاع حاد في حالات إدخال الأطفال المصابين بسوء تغذية حاد شديد إلى العلاج في جنوب دارفور وشمالها، بما يشمل مناطق سبق تحديدها ضمن مواقع معرضة لخطر المجاعة في التحليل السابق. هذه إشارة مقلقة إلى الضغط المتزايد على حياة الأطفال، لكنها لا تغني وحدها عن تحديد وضع كل محلية وفق قواعد التصنيف.
أما في كردفان الكبرى، فيجمع الإنذار بين استمرار القتال والنزوح، وضعف الأمطار وتراجع سبل كسب العيش، وصعوبات وصول المساعدات. وتمتد النتيجة المحتملة من نقص الإنتاج الزراعي إلى فقدان القدرة على شراء الغذاء ونقله، وتعطل الأسواق والخدمات التي يعتمد عليها السكان. وفي مناطق المواجهة، قد تكون المعونة موجودة في مكان ما، لكنها لا تصل إلى من يحتاجها في الوقت المناسب.
وتضيف موجة الجفاف المرتبطة بظاهرة إل نينيو ضغطاً من نوع آخر. وتقول منظمة الصحة العالمية، في بيانها المرافق للإنذار، إن الجفاف يؤثر في نحو نصف السودان، ويقلص توافر الغذاء ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإضعاف سبل العيش. تصف هذه النسبة نطاق الجفاف المقدّر، ولا تقيس عدد السكان الذين دخلوا المجاعة أو المحليات المصنفة في أعلى درجات انعدام الأمن الغذائي.
الجوع والمرض يغذيان أحدهما الآخر
يصبح سوء التغذية أشد خطورة عندما يترافق مع مياه غير مأمونة ونظام صحي ضعيف. فالأطفال الذين فقدوا وزنهم أو تدهورت مناعتهم يصبحون أكثر تعرضاً لمضاعفات العدوى. وتعطل مرافق العلاج يعني أن أمراضاً قابلة للتعامل معها طبياً يمكن أن تنتهي إلى نتائج أشد قسوة. وتربط منظمة الصحة العالمية صراحة بين سوء التغذية وزيادة شدة أمراض من بينها الكوليرا والحصبة.
تقدم منظمة الصحة العالمية في بيان 12 أكتوبر صورة عن حجم الأزمة الوطنية: بحلول عام 2026 توقفت 37% من مرافق السودان الصحية عن العمل. وهذه النسبة تخص البلاد كلها، ولا يجوز نسبتها إلى دارفور وحدها أو استخدامها لوصف المرافق الموجودة في محلية بعينها.
وفي المقابل، قدمت المنظمة تدريباً وإمدادات وأشكالاً أخرى من الدعم إلى جميع مراكز تثبيت التغذية التشغيلية البالغ عددها 161 مركزاً على مستوى السودان. وأسهم هذا الدعم في علاج أكثر من 26 ألف طفل يعانون سوء تغذية حاداً شديداً مصحوباً بمضاعفات طبية بين يناير وأغسطس 2026. ويقيس الرقم الأخير حصيلة علاج ضمن نطاق محدد، ولا يمثل إجمالي الأطفال الجائعين أو وفيات سوء التغذية أو عدد المصابين في دارفور وكردفان.
ويمتد أثر النزاع المسلح إلى العاملين والمرافق الصحية أنفسهم. ومنذ 15 أبريل 2023، تقول المنظمة إنها تحققت من 228 اعتداءً على الرعاية الصحية في السودان، أفضت إلى 2055 وفاة و817 إصابة. وهذه حصيلة الاعتداءات الموثقة على الرعاية الصحية في البلاد خلال فترة ممتدة، ولا يصح جمعها مع أرقام سوء التغذية أو نسبتها إلى الإنذار الصادر هذا الأسبوع وحده.
لماذا يشتد الخطر الآن؟
لأن الصدمات تتراكم في الوقت نفسه. الجفاف يضعف المحصول، والنزوح يقطع الصلة بالأرض ومصادر الرزق، والقتال يعرقل حركة التجار والإمدادات، ونقص التمويل يحد من قدرة المنظمات على التدخل. وإذا انقطع الماء الآمن أو تراجعت الخدمات الصحية، فإن الأسرة التي نجت من نقص الغذاء قد تواجه عدوى أشد على طفل يعاني أصلاً من سوء التغذية.
وثمة مشكلة أخرى لا تظهر بسهولة في العناوين: نقص المعلومات الدقيقة في مناطق يصعب الوصول إليها. لذلك ينبغي التمييز بين ما تثبته المسوحات الميدانية، وما يشير إليه ارتفاع الحالات في المراكز الصحية، وما يُستنتج من تعطل الأسواق والحركة. كما أن مقارنة تحليلات IPC في فترات مختلفة تحتاج انتباهاً إلى تغيّر التغطية الجغرافية، حتى لا تتحول الفجوات في البيانات إلى أحكام عن تحسن أو تدهور غير مثبتين.
تقول الصحة العالمية إن 23% فقط من ندائها الإنساني البالغ 97.7 مليون دولار كان ممولاً عند إصدار البيان. هذه نسبة تمويل نداء المنظمة نفسه، وليست نسبة تمويل مجمل الاستجابة الإنسانية للسودان. وتمتد آثار الفجوة من شراء الأدوية إلى القدرة على استمرار خدمات الصحة والتغذية والمياه والنظافة العامة في الأماكن الأشد احتياجاً.
بين الإنذار والاستجابة
يدعو IPC والشركاء إلى وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين ومنظومات الغذاء والمياه والصحة، وضمان وصول المساعدات بأمان واستمرار، ولا سيما في مناطق خطوط التماس بشمال كردفان وغربها، وتوسيع التدخلات المنقذة للحياة وتوفير تمويل متوقع ومرن. وهذه مطالب إنسانية عملية: علاج الطفل يفقد أثره إذا عاد إلى بيئة تغيب عنها المياه الآمنة والغذاء، وحماية الموسم الزراعي تتطلب حرية الحركة والوصول إلى الأرض.
ما يزال تحديد المحليات وأرقام سكانها بحسب كل درجة من درجات التصنيف يتطلب الرجوع إلى الجداول التفصيلية الأحدث لـIPC، بما فيها الفترة المرجعية ومستوى الثقة في البيانات. ولهذا يكتفي هذا التقرير بعرض التحذير العام، دون رسم خريطة لمناطق «مجاعة مثبتة» أو إصدار حكم على كل منطقة. لكنه يوضح ما يستدعي الانتباه الآن: حين يتضافر النزاع المسلح والجفاف وتعطل الرعاية الصحية، يصبح تأخر الاستجابة خطراً مضاعفاً.
إعداد: فريق سودان ستوري
المصادر: IPC، الإنذار بشأن السودان؛ منظمة الصحة العالمية، 12 أكتوبر 2026.
المنهجية: نُقل كل رقم في نطاقه الأصلي. نسب منظمة الصحة العالمية تخص السودان كله، وأرقام الاعتداءات على الرعاية الصحية تغطي الفترة منذ 15 أبريل 2023، ولا تُجمع مع أرقام سوء التغذية. لم تُراجع الجداول التفصيلية لـIPC على مستوى المحليات.
الصورة: أرشيفية من الدلنج، مارس 2023.
آخر مراجعة: 18 أكتوبر 2026

