الرأي

قصف المعدّنين السودانيين.. كيف تكررت مرافعات الإعلام المصري في نصّي رشان أوشي وضياء الدين بلال؟

مقارنة نقدية بين نصّي رشان أوشي وضياء الدين بلال، تكشف كيف ينتقل إطار السيادة واتهام الخصوم من خطاب إعلامي مصري في يونيو إلى تناول قصف المعدّنين في أكتوبر.

صورة أرشيفية لمراسم لقاء رسمي يظهر فيها مسؤولون مدنيون وعسكريون يرتدون بدلات رسمية وزياً عسكرياً.
صورة أرشيفية للقاء رسمي، لا توثق واقعة قصف المعدّنين السودانيين.

رأي

من افتراض انتهاك الحدود إلى مهاجمة المعترضين: قراءة في نصّين سودانيين على ضوء الخطاب الإعلامي المصري في يونيو.

بقلم عباس محمد

لم تكتب رشان أوشي وضياء الدين بلال النص نفسه. هي تسمّي الجيش المصري صراحة وتهاجم أنصار الدعم السريع، فيما يستند هو إلى مفردات القانون الدولي ويطالب الدولة السودانية بالتحقيق والمساءلة دون تسمية الجهة المتهمة بالقصف. لكن من يضع المقالين جنباً إلى جنب، بعد الغارات التي استهدفت منجم العقيدات في منطقة شمال الوادي يوم السبت 10 أكتوبر 2026، يلاحظ أنهما يتحركان على هيكل واحد تقريباً، خطوة بخطوة، حتى الجملة الختامية.

هذه المقارنة لا تفترض تطابق النوايا أو وجود تنسيق بين الكاتبين، لكنها لا تعفي أيّاً منهما من مسؤولية ما كتبه. وحين يتكرر البناء نفسه عند كاتبين مختلفين في النبرة والأسلوب، يصبح ضرورياً فحص هذا القالب: كيف يُبنى، وماذا يفعل بالوقائع، ولماذا يبدو متوازناً وهو يعيد توجيه الأسئلة؟

الأطروحة بسيطة: يبدأ هذا القالب بإدانة صريحة للقتل، لكنه يحمل في داخله ما يضعف مساءلة الجهة المتهمة بتنفيذه. فهو يبني على افتراضات لم تثبت، ثم ينقل النقاش إلى سلوك الضحايا وخصوم الكاتبين السياسيين، فتتراجع الأسئلة عن الفاعل والمسؤولية.

القالب في خمس خطوات

يظهر الهيكل المشترك بوضوح حين تُوضع العبارات المتقابلة في النصّين متجاورة:

الخطوةرشان أوشيضياء الدين بلال
1. إدانة مطلقة«لا يمكن تبرير استخدام القوة المميتة»«لا توجد أي مسوغات، أمنية كانت أم عسكرية»
2. «كان بالإمكان»«كان بإمكان الجيش المصري اعتقال المعدنين أو طردهم من أراضيه»«كان بالإمكان التعامل مع وجودهم عبر الوحدات العسكرية والأمنية المختصة»
3. «وفي المقابل»«لا توجد أي مبررات لانتهاك سيادة الدول… أو استباحة ثرواتها الوطنية»«تجاوز حدود الدول والتغول على ثرواتها وانتهاك سيادتها أمر مرفوض»
4. الطعن في المدينين«أنصار الجنجويد… ابتلعوا ألسنتهم»«سجلات أغلبهم ملطخة بالدماء»
5. خاتمة المعايير«لا مصداقية لمن ينتقي ضحاياه ويكيل بمكيالين»«دون انتقائية في المبادئ أو ازدواجية في المعايير»

قد تبدو بعض هذه الخطوات، منفردة، قابلة للدفاع عنها. المشكلة في تراكبها، وفي ما تفترضه كل خطوة عن الوقائع قبل أن تتضح.

الافتراض الذي يحمل البناء كله

تبدو عبارة «كان بالإمكان» إنسانية، فهي تقترح بديلاً أقل فتكاً من الطيران الحربي. لكن صياغة رشان، «طردهم من أراضيه»، تفترض مباشرة وجود المعدّنين داخل مصر، وهو ما لم يثبت. أما بلال فلا يقول صراحة إن موقع القصف داخل مصر؛ لكنه يقدم عبور الحدود بوصفه تفسيراً محتملاً للواقعة، حين يكتب أن غالب هؤلاء الشباب «لا يملكون الوعي الكافي بحدود الدول وما يحكم عبورها من قوانين وضوابط». والفرق بين الافتراض الصريح والإيحاء مهم، لكن كليهما يستدعي سؤالاً واحداً: ما الدليل على أن الضحايا المعنيين عبروا الحدود؟

لا تسند الأدلة المنشورة الجزم بهذا الافتراض. فقد نقلت سودان تربيون عن شهود وقوع الغارات على منجم العقيدات قرب سوق الأنصاري، فيما ذكر تحالف صمود أن الموقع داخل السودان. ولم يُنشر حتى الآن تحقق جغرافي مستقل يحسم إحداثيات الضربات، أو تحقيق مستقل نهائي يثبت هوية الطائرات.

وما إن يُقبل الافتراض حتى تنساب بقية الخطوات بسهولة. يظهر الضحايا في سياق يوحي بتجاوز الحدود؛ ويقدم بلال الفقر وضعف الوعي تفسيراً محتملاً، بينما تستحضر رشان «استباحة الثروات» باعتبارها انتهاكاً. اختلاف النبرة لا يبدد الإشكال: تهمة العبور غير المشروع لم تثبت على الأشخاص المستهدفين.

التوازي الذي لا يتوازن

«وفي المقابل» هي قواعد التوازن اللغوي. في الكفة الأولى قتل العشرات بالطيران الحربي، وهو فعل موثق بالجثث والمقاطع المصورة والشهادات. وفي الكفة الثانية انتهاك مفترض للسيادة، لم يثبت على هؤلاء الضحايا تحديداً.

ويضيف بلال تفصيلاً دالاً: لدول الجوار حق التصدي لأي توغل «متى شكّل في نظرها تهديداً». هنا يُسلّم معيار التهديد إلى تقدير الدولة التي توجه إليها الاتهامات نفسها.

النتيجة مساواة بين فعل واتهام. والتوازن بين شيئين غير متكافئين ليس توازناً، بل إعادة توزيع للوزن.

الفاعل المسمّى والفاعل الغائب

هنا يفترق النصّان في الطريق، ويلتقيان في النتيجة.

رشان أوشي تسمّي الجيش المصري صراحة، ثم تضع فعله في سياق تهديد أمني تعامل معه «بقدر بالغ من القسوة». أما بلال فلا يسمّي الجهة المتهمة بتنفيذ القصف. الطائرات الحربية في مقاله بلا صاحب، ومصر لا تظهر إلا في الوسم أسفل النص.

التسمية عند الأولى تأتي مع التبرير، والغياب عند الثاني يجعل الإدانة معلقة بلا عنوان. والإدانة التي لا تتوجه إلى أحد لا تطالب أحداً بشيء.

ويطالب بلال الدولة السودانية بموقف قوي وبالتحقيق والمساءلة وإنصاف الضحايا، وهي مطالب واضحة ينبغي إثباتها له. لكن عدم تسمية الجهة المتهمة يترك سؤال المسؤولية المباشرة معلّقاً، حتى في نص يطالب بالمحاسبة.

من يحق له أن يسأل؟

في الخطوة الرابعة ينتقل النصّان من الواقعة إلى الذين يدينونها. رشان أوشي تسميهم «أنصار الجنجويد» وتستدعي مجزرة ود النورة والفاشر، وبلال يسميهم «أصحاب الأغراض السياسية» ويصف دموعهم بالمصطنعة.

وقد توظف أطراف سياسية مثل هذه المآسي في خطابها، وهو أمر يستحق النقد متى قامت عليه أدلة. لكن استغلال أي طرف للواقعة، إن ثبت، لا يجيب عن السؤال المتعلق بالمسؤولية المباشرة: من قصف؟

أثر هذه الخطوة أن سؤال «من قصف؟» يتحول إلى سؤال «من يحق له أن يسأل؟». وعند هذه النقطة يخرج الضحايا من مركز النقاش.

الجملة الصحيحة في الموضع الخاطئ

ينتهي النصّان بمبدأ الاتساق: المعيار الأخلاقي لا يتغير بتغير هوية القاتل، ولا انتقائية في المبادئ. المبدأ صحيح، ولا خلاف عليه.

لكن الاتساق لا يقتصر على الأحكام الأخلاقية، بل يشمل معيار الإثبات. فإذا كان اتهام الضحايا بتجاوز الحدود لا يحتاج إلى دليل، بينما يحتاج اتهام من قصفهم إلى تحقيق نهائي، فهذا هو ازدواج المعايير نفسه، وإن جاء في نص يختم بالتحذير منه.

الاتساق لا يقتصر على الأحكام الأخلاقية، بل يشمل معيار الإثبات.

من أين جاء القالب؟

لا يولد هذا البناء من فراغ. ففي يونيو الماضي، عقب تقارير عن غارات على مناطق تعدين قرب الحدود السودانية المصرية، أصدر المتحدث العسكري المصري في 22 يونيو بياناً عن «حملة مكبرة» بقطاع المنطقة الجنوبية العسكرية ضد أنشطة شملت التنقيب غير المشروع عن الذهب والتسلل والتهريب. وتحدث البيان عن ضبط 223 شخصاً وترحيل متسللين، ولم يتناول اتهامات الغارات أو ضحاياها.

على هذا البيان بنى كتّاب مصريون مرافعاتهم. ربط حمدي رزق في «المصري اليوم» الحملة بـ«الجنجويد» وهاجم «منصات مرتزقة الدعم السريع»، ووصف حسام الحداد في «البوابة نيوز» اتهامات الاعتداء على المعدّنين بالفرية، وربط منتقدي مصر بالتخادم مع الدعم السريع.

تعود العناصر نفسها في أكتوبر، في نصّين سودانيين: السيادة، والتنقيب غير المشروع، والطعن في موقف المنتقدين عبر استدعاء الدعم السريع. والمقارنة هنا محددة بهذين المقالين المصريين، لا بموقف الصحافة المصرية كلها. ففي نصوص يونيو يتقدم الدفاع عن الإجراء الأمني، وفي نصوص أكتوبر تتقدم إدانة القتل، بينما يبقى نقل النقاش إلى المخالفة المفترضة والخصوم السياسيين عنصراً مشتركاً.

لا يثبت هذا التشابه وجود نقل مباشر أو تنسيق. لكنه يوضح كيف يمكن لإطار دعائي قائم على السيادة واتهام المعترضين أن ينتقل بين سياقات مختلفة، من دون أن يحسم الوقائع التي يفترض تفسيرها.

الاعتراض الوجيه

سيُقال إن النصّين يدينان القتل بوضوح، وإن بلال يطالب بالتحقيق والمساءلة، وإن القلق على السيادة مشروع، وإن أنشطة التهريب والتعدين غير المرخص قد تطرح تحديات أمنية فعلية. وقد يحاول بعض أطراف الحرب توظيف المأساة سياسياً.

ليس ذكر السيادة أو المطالبة بالمحاسبة موضع الاعتراض؛ والنقد هنا لا يطال حق أي كاتب في فضح الاستغلال السياسي للضحايا. إنه يطال الترتيب والمعيار: حجة السيادة تدخل قبل أن تثبت الوقائع صلتها بالواقعة، والغطاء السياسي يدخل قبل أن يُعرف عدد الضحايا.

يستطيع نص واحد أن يدافع عن سيادة الدول، وأن يدين دعاية الدعم السريع، دون أن يفترض موقع الضحايا قبل أن يُعرف.

كيف تبدو الإدانة بلا قالب؟

تبدأ مما تؤيده التقارير المتاحة: غارات على مواقع تعدين قرب الحدود، وضحايا تختلف حصائلهم الأولية، وشهادات تحدد المواقع بطرق لم تُحسم جغرافياً بعد، وغياب إعلان رسمي بالمسؤولية. وتبقى الأعداد والمواقع وهوية الطائرات مسائل مفتوحة للتحقق.

ثم تسأل أسئلة المسؤولية بلا مقدمات: أين سقطت القنابل؟ من أطلقها؟ من أصدر القرار؟ وما الأساس القانوني لاستخدام الطائرات ضد عمال التعدين؟

وتترك حجة السيادة للأدلة إن ظهرت، ونقد توظيف المأساة لنص آخر يخصه.

الإدانة الحقيقية لا تحتاج إلى «في المقابل». تحتاج فقط إلى أن تُبقي الضحايا في مركز الصورة، حتى تتضح الوقائع ويُعرف من أطلق النار.


كل حكاية تستحق أن تُروى — Sudan Story