في 4 أكتوبر 2026، أعادت قمة العلمين الرباعية، التي جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، تأكيد دعم وحدة السودان ومؤسساته الوطنية ورفض الكيانات الموازية، بحسب «ديلي نيوز إيجبت». وفي الأيام نفسها كتب مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، على منصة «إكس» أنه حضر مأدبة غداء أقامها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بحضور عبد الفتاح البرهان، بحسب تقرير لرويترز نشره موقع «سويس إنفو»، نقل عن مسؤول سوداني أن الرجلين التقيا بصورة غير رسمية من دون محادثات. يؤكد استمرار الاتصال أن التعامل الدبلوماسي مع قائد الجيش ما يزال ممكناً، لكنه لا يثبت اتفاقاً على شكل حكم جديد أو على من يموّله.
خطاب داخلي يوسّع دور الجيش من ميدان القتال إلى الاقتصاد، وموقف مصري–سعودي يمنح القوات المسلحة غطاءً سياسياً، ومنحة سعودية أولى للسلطة القائمة في بورتسودان. من هذه العناصر تتشكل بيئة تسمح بإعادة ترتيب السلطة حول البرهان، وتبقى معها مسألتان مفتوحتان: هل اتُّخذ القرار؟ ومن تعهّد بدفع كلفته؟ وفي الأثناء يضع الموقف الأميركي سقفاً مختلفاً لمستقبل قائدَي الجيش والدعم السريع.
هذه الوقائع، منفردة أو مجتمعة، تقصر عن إثبات خطة مكتملة لحل مجلس السيادة أو تنصيب البرهان رئيساً منفرداً. ما تكشفه أن السؤال تجاوز شكل الحكم إلى تمويله. فأي ترتيب جديد يحتاج في وقت واحد إلى غطاء إقليمي، وتفاهم داخلي مع القوى المسلحة والمدنية، ومال يمنع الانهيار الاقتصادي من ابتلاع السلطة الجديدة قبل أن تستقر.

الاقتصاد يتحول إلى حجة سلطة
في لقائه مع صحافيين في 10 سبتمبر بمقر القيادة العامة، أبدى البرهان امتعاضه من أداء الحكومة التنفيذية، وقال إنها ابتعدت عن مشكلات الناس، ملمحاً إلى أن الجيش قد يضطر للتدخل لمعالجة الأزمة الاقتصادية. وفي 18 سبتمبر أعاد تعريف الأزمة بعبارة أوسع، فقدّم غلاء الأسعار ونقص الموارد بوصفهما وجهاً آخر للحرب، وقال إن السودان سينتصر فيه كما أخرج الجيش الدعم السريع من الخرطوم ومدن أخرى، وفق سودان تربيون.
هذا التحول مهم. فحين تُقدَّم المعيشة امتداداً للمعركة العسكرية، يصبح تدخل القيادة العسكرية في الاقتصاد قابلاً للتبرير ضرورةً أمنية، ويخرج من خانة الاستثناء السياسي. وفي السياق نفسه ذهب الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة، أبعد من الدفاع عن دور انتقالي للجيش، فقال في حوار مع صحيفة «الشروق» المصرية في 13 سبتمبر: «الجيش السوداني لا يريد الحكم لكن الظرف يفرض وجود القائد العام على رأس الدولة لثلاثة أو أربعة انتخابات قادمة».
أزمة بهذا الحجم تتجاوز ما يعالجه تغيير وزير أو تشكيل لجنة عسكرية؛ فهي حصيلة اقتصاد النزاع المسلح: إنتاج متراجع، وصادرات مضطربة، وإنفاق أمني مرتفع، وجهاز مصرفي منقسم، وتكاليف متزايدة للوقود والنقل والتأمين. لذلك تصلح الأزمة ذريعة لتوسيع السلطة، وتبقى أدوات الإنقاذ خارج ما يمنحه هذا التوسيع تلقائياً.
ما منحته القاهرة والرياض فعلاً
في 15 سبتمبر قال بيان الرئاسة المصرية إن الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان أكدا «استمرار دعم مصر والسعودية لأمن واستقرار السودان»، وحصرية مؤسساته الوطنية، و«رفض مساواة القوات المسلحة السودانية بأي مليشيات أو كيانات موازية غير شرعية». وهذه صياغة تمنح الجيش أفضلية سياسية واضحة، وترفض إضفاء شرعية مماثلة على حكومة أو قوة موازية.
وسكت البيان عن بقاء البرهان لعدة دورات، وعن حل مجلس السيادة أو إقامة نظام رئاسي جديد. والفارق هنا جوهري؛ فدعم الجيش بوصفه مؤسسة دولة شيء، وتفويض قائده بإعادة صياغة السلطة على مقاسه شيء آخر.
عشرون مليون دولار: إشارة قبل الإنقاذ
في 16 سبتمبر 2026، أعلنت السعودية، عبر الصندوق السعودي للتنمية، منحة بقيمة 20 مليون دولار تستهدف وزارات المالية والزراعة والتعليم العام والتعليم العالي والصحة والثقافة والإعلام، وأكد الجانبان أهمية تفعيل مجلس التنسيق السعودي–السوداني.
القيمة السياسية للمنحة أكبر من أثرها النقدي. فهي تربط الرياض مباشرة بمؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان وتفتح مساراً منظماً للتعاون، وتبقى أصغر من أن توقف تراجع الجنيه أو تموّل واردات الوقود والقمح والدواء على نطاق وطني.
ما يمكن أن يغيّر المعادلة فعلاً وديعة في بنك السودان، أو خط ائتمان للواردات الأساسية، أو آلية موثوقة لشراء الذهب وتحويل عائداته، أو صندوق كبير لإعادة الإعمار. ولا تتضمن المصادر التي يستند إليها هذا التقرير تعهداً سعودياً معلناً بهذه الأدوات. أما مذكرة التفاهم الموقّعة في 10 سبتمبر لإعادة تأهيل مصفاة الخرطوم وإنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان، فقد وقّعتها عن الجانب السعودي مجموعة طويق، وهي مذكرة تفاهم لا اتفاق نهائي، أقرب إلى استثمار مؤجل منها إلى تمويل حكومي عاجل.
من يستطيع أن يدفع؟
تملك السعودية قدرة مالية تتيح لها، إذا اتخذت قراراً سياسياً بذلك، تقديم سيولة أو اعتمادات للسلع الاستراتيجية أو ضمانات مصرفية. وهذه القدرة وحدها لا تثبت أنها تعهّدت بتمويل ترتيب جديد للسلطة. ويرجّح هذا التحليل أن تُحجم الرياض عن دفع كلفة ترتيب مفتوح بلا أفق لإنهاء النزاع المسلح أو ضبط حلفاء الجيش أو بناء واجهة سياسية قابلة للتعامل الدولي؛ فالدعم السعودي المحتمل أقرب إلى استثمار مشروط في استقرار الدولة منه إلى تفويض مالي مفتوح.
أما مصر فقيمتها الرئيسية في الغطاء السياسي والأمني: حماية شرعية المؤسسة العسكرية، وتنسيق المواقف الإقليمية، وفتح طرق التجارة والنقل، والمساعدة في جمع ممولين آخرين. تستطيع القاهرة أن تساعد في تسويق أي ترتيب جديد، وتبدو، تحت ضغوطها الاقتصادية، أعجز من أن تموّل وحدها إنقاذاً نقدياً طويلاً.
الاتصال الأميركي لا يحسم شكل الحكم
الانقسام الكامل بين واشنطن من جهة والقاهرة والرياض من جهة أخرى يبقى احتمالاً غير محسوم. فيمكن للسعودية ومصر أن تدعما الجيش بوصفه المؤسسة الوطنية التي ترفضان مساواتها بالدعم السريع، وأن تؤيدا في الوقت نفسه تسوية تقود إلى حكم مدني. وقد أعلن بولس بحسب التقرير نفسه استعداد الولايات المتحدة «لدعم جميع الجهود التي تؤدي إلى حوار شامل» بين القوى السياسية السودانية. وهذا التداخل يضع سقفاً على أي دعم علني لتحويل قائد الجيش إلى رئيس طويل الأجل خارج تسوية أوسع.
ثلاثة ترتيبات محتملة
الاحتمال الأول، وهو الأقل كلفة والأكثر قرباً، أن يستخدم البرهان الأزمة لإعادة تشكيل الجهاز التنفيذي أو فرض آلية عسكرية–اقتصادية فوق الحكومة، مع بقاء مجلس السيادة شكلياً. هذا المسار يحتاج إلى دعم محدود، ويتسق مع الخطاب الجاري من دون تغيير دستوري كامل.
الاحتمال الثاني تركيز السلطة في رئاسة يقودها البرهان، عبر حل المجلس أو تقليص دور أعضائه. وهذا يتطلب تسوية مع قادة الحركات المسلحة المتضررين من إلغاء المنصة السيادية، وغطاءً إقليمياً واضحاً، وحزمة مالية أكبر بكثير من المنحة السعودية الحالية. ولا يوجد حتى الآن دليل علني على اكتمال هذه الشروط.
الاحتمال الثالث إعادة ترتيب مرتبطة بوقف النار وحوار سياسي، تحتفظ فيها المؤسسة العسكرية بموقع مؤثر من دون منح قائدها رئاسة مفتوحة. هذا المسار هو الأقدر على إعادة التمويل الدولي، وهو الأصعب داخلياً لأنه يفرض تنازلات على الجيش والدعم السريع وحلفائهما معاً.
ما الذي يستحق المراقبة؟
المؤشرات الجديرة بالمراقبة قرارات قابلة للقياس: وديعة أو خط ائتمان سعودي، وآلية رسمية للذهب، وصندوق مصري–سعودي لإعادة الإعمار، وتعديل قانوني في بنية مجلس السيادة، أو اتفاق على مكان الحوار وأطرافه وضماناته.
لهذا يمتد السؤال من تمويل وصول البرهان إلى ترتيب جديد إلى تمويل بقاء ذلك الترتيب بعد يومه الأول. فمن دون نزاع يتراجع، ومؤسسات تخضع للمساءلة، واقتصاد يستعيد موارده، ستشتري الأموال الخارجية وقتاً إضافياً فقط، وتبقى الدولة المستقرة خارج ما يمكن شراؤه.
تحليل: فريق سودان ستوري
المصادر: سودان تربيون؛ صحيفة «الشروق»؛ الرئاسة المصرية؛ رويترز عبر «سويس إنفو»؛ «ديلي نيوز إيجبت»؛ «تاغ برس». الروابط مضمّنة في المتن.
منهجية: يفصل التحليل بين الوقائع المنسوبة إلى مصادرها والتقديرات التحليلية، ويشير إلى الثانية بعبارات مثل «يرجّح هذا التحليل».

