ما وراء الخبر | بروفايل
في الدوحة، في أبريل 2012، التُقطت صورة لنجوى قدح الدم خلال فعالية مرتبطة بملف دارفور. داخل إطار الصورة، يقف رئيس تحرير سودان ستوري خلفها على مسافة قريبة. لم يجر بينهما حديث، ولم يحدث تعارف مباشر؛ كانت مجرد مصادفة عابرة في قاعة مزدحمة بالوفود والمسؤولين والصحفيين.
لكن الصورة اكتسبت معناها لاحقًا.
كانت نجوى، في ذلك الوقت، تنتقل تدريجيًا من عالم الهندسة والطاقة إلى دوائر الوساطة الإقليمية. صورتها لم تحمل صفة مسؤولة بمنصب ظاهر في أجهزة الدولة؛ كانت صورة شخصية تعمل بالقرب من مراكز القرار، وتبني نفوذها عبر العلاقات المباشرة والثقة الشخصية.
وهذا، على وجه الدقة، هو المدخل إلى فهم سيرتها.
بعد ثماني سنوات، سيظهر اسم نجوى عباس أحمد محمد قدح الدم في قلب أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية السودانية حساسية: اللقاء الذي جمع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة عنتبي الأوغندية.
لم تكن وزيرة للخارجية، ولا عضوًا في مجلس السيادة، ولم يكن لها موقع بيروقراطي معروف لدى الجمهور. ومع ذلك، نسبت إليها شهادات سودانية وتقارير إسرائيلية دورًا محوريًا في فتح القناة التي قادت إلى اللقاء.
تكمن قصتها في هذه المفارقة: كلما غابت الصفة الواضحة، ازداد حضور النفوذ.
ابنة العباسية
بدأت الحكاية في حي العباسية شرق مدينة أم درمان.
نشأت نجوى داخل أسرة دينية ومتعلمة. كان والدها عباس أحمد قدح الدم من الشخصيات المعروفة في الحي، وارتبط اسم الأسرة بمسجد قدح الدم، أحد المساجد القديمة في العباسية. أما والدتها، نفيسة سالم عمر، فكانت معلمة.
تقول شقيقتها نور الهدى إن نجوى كانت الخامسة بين ثمانية أشقاء، ست بنات وولدين، وإنها كانت قريبة بصورة خاصة من والدها.
«كانت من أكثرنا قربًا منه، تساعده في المسودات، وتستمع إليه، وتشارك في إعداد خطبته».
لا تمنح هذه الشهادة تفصيلًا أسريًا فحسب؛ فهي تشير إلى الجذر المبكر للمهارة التي ستستخدمها نجوى لاحقًا: الاقتراب من صاحب القرار، فهم طريقته في التفكير، ثم المساعدة في ترتيب الرسالة التي يريد إيصالها.
درست في مدارس أم درمان، ثم التحقت بكلية الهندسة في جامعة الخرطوم، حيث تخرجت في قسم الهندسة الميكانيكية عام 1989. وبعد ذلك انتقلت إلى ألمانيا لدراسة الطاقة المتجددة في جامعة أولدنبورغ، وبدأت مسارًا مهنيًا امتد خارج السودان.
في ألمانيا تزوجت إكهارت نيومان، وأسست معه أسرة. وتتذكر صديقتها الدكتورة أسماء أحمد النعيم، التي عرفتها منذ بداية التسعينيات، أن زواج نجوى من رجل ألماني كان من المواقف المبكرة التي أظهرت قدرتها على إدارة التفاوض داخل بيئتها الأسرية.
لم تلجأ إلى الصدام مع والدها، بحسب أسماء، وإنما تعاملت مع اعتراضه بصبر لا بمواجهة.
«كانت تنتظر أن يقتنع. تناقش، وتعيد تقديم الفكرة، وتحافظ في الوقت نفسه على العلاقة».
تصف الشهادة أسلوبًا سيظل حاضرًا في مسيرتها: الاقتراب بدل المواجهة، والبحث عن مساحة تسمح للطرف الآخر بتغيير موقفه من دون أن يشعر بأنه خسر موقعه.
لاحقًا، ستستخدم نجوى الأدوات نفسها مع رؤساء ووزراء ودبلوماسيين.
الدخول السريع إلى دوائر الثقة
في إحدى جولات التفاوض في جوبا، التقاها مسؤول مدني سابق في السلطة الانتقالية للمرة الأولى في بهو أحد الفنادق.
اقتربت منه، وقدمت نفسها، ثم دار بينهما حديث عام لم يستغرق وقتًا طويلًا. لم يكن اللقاء كافيًا لبناء علاقة كاملة، لكنه ترك لديه انطباعًا واضحًا عن قدرتها على تقليص المسافة الأولى مع الآخرين.
«كانت من الشخصيات التي تجعلك تقول لنفسك سريعًا: هذه امرأة ينبغي أن تكون ضمن دائرة الأصدقاء».
في الحياة الاجتماعية قد تبدو هذه القدرة خصلة شخصية. أما في عالم القنوات الخلفية، فهي رأس مال سياسي. فالوسيط لا يبدأ عمله بالوثيقة أو الصفة، بل بالقبول الشخصي. ولا ينجح لأنه يحمل منصبًا كبيرًا، بل لأنه يجعل الأطراف تشعر بأن المرور عبره آمن ومفيد.
هذه القدرة تساعد على تفسير انتقال نجوى من الهندسة والطاقة إلى فضاء الوساطة بين الحكومات.
حين قادتها الطاقة إلى القصر
عملت نجوى قدح الدم، وفق شهادات أسرتها وأصدقائها والسفير السوداني السابق في كمبالا عادل شرفي، في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «يونيدو» في مجال الطاقة المتجددة.
ومن هذه البوابة دخلت إلى أوغندا.
يروي شرفي أن نجوى أخبرته بأنها التقت الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني خلال مؤتمر لمنظمة «يونيدو» في فيينا، يُرجح أنه انعقد نحو عام 2010.
بعد اللقاء دعاها موسيفيني إلى زيارة أوغندا، حيث عملت في مشروع للطاقة يتبع للقصر الرئاسي، ثم كلفها بزيارة مناطق مختلفة لدراسة فرص إقامة مشروعات للطاقة وسبل تمويلها.
كانت المهمة، في بدايتها، فنية. لكن القرب من القصر حوّل المشروع إلى علاقة، والعلاقة إلى ثقة، والثقة إلى تكليف سياسي.
بحلول عام 2012، يقول شرفي إن نجوى عُينت مستشارة لموسيفيني في ما وصفه بـ«المشكلات السياسية في الإقليم». ورافقته في العام نفسه إلى قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، حيث ساعدت في تنظيم لقاء بينه وبين الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
هنا اكتمل التحول: المهندسة التي دخلت القصر عبر الطاقة أصبحت وسيطة في نزاع إقليمي.
اتسعت وظيفتها الأصلية أكثر مما تغيّرت؛ فمشروعات الطاقة تحتاج إلى تمويل وعلاقات وثقة سياسية، والوساطة تحتاج إلى شخص يفهم كيف تُبنى المصالح عبر الحدود. امتلكت نجوى الجانبين معًا.
مستشارة لا تظهر في السجلات
يقدم عادل شرفي، الذي عمل سفيرًا للسودان في كمبالا بين يونيو 2013 ويونيو 2014، واحدة من أكثر الشهادات تفصيلًا عن وضع نجوى داخل النظام الأوغندي.
يقول إن تعيينها مستشارة لموسيفيني كان رسميًا، لكن اسمها لم يكن ظاهرًا في السجل المعتاد لمسؤولي الدولة. ولم تكن تشغل موقعًا بيروقراطيًا واضحًا داخل وزارة الخارجية أو الرئاسة، بل كانت تكليفاتها تأتي مباشرة من موسيفيني، وأحيانًا من وزير الخارجية الأوغندي سام كوتيسا.
«بلغ الغموض حد أن مسؤولين أوغنديين كانوا يسألونني عنها، مع أنها كانت مستشارة لرئيس بلادهم».
هذه المفارقة هي جوهر دبلوماسية الظل: لا يُقاس النفوذ بما يظهر في الهيكل، بل بالقدرة على الوصول إلى رأسه.
كانت نجوى تمتلك صفة في التكليف وغموضًا في الموقع؛ صفة بلا مكتب بيروقراطي ظاهر، ونفوذ مستمد من القدرة على الوصول إلى الرئيس، ونقل الرسائل، وفتح الأبواب، لا من موقع رسمي معلن.
في مثل هذا النموذج، تصبح قوة المستشار في الهاتف الذي يُجاب، والموعد الذي يُمنح، والرسالة التي تصل من دون أن تمر بجميع طبقات الدولة.
لكن هذا النوع من النفوذ يحمل مشكلته معه: من أين يبدأ التفويض، وأين ينتهي؟ متى يكون الوسيط ناقلًا لقرار؟ ومتى يصبح مشاركًا في صناعته؟
بين الخرطوم وكمبالا
التقى شرفي نجوى للمرة الأولى في أغسطس 2013. جاءت المبادرة منها، بعد أن تعرفت خلال رحلة جوية من أوروبا على أحد أقاربه وطلبت التواصل معه.
زارته في مقر إقامته بكمبالا. وبعد أشهر عادت إلى أوغندا مع أسرتها بدعوة من موسيفيني. وعندما وجدت أن الرئيس غير موجود، اتصلت بالسفير وطلبت الإقامة يومًا أو يومين في دار السكن.
خلال تلك الإقامة، تحدثت معه عن علاقتها بموسيفيني، والبشير، ووزير الخارجية السوداني آنذاك علي كرتي، وعن ملف وجود قيادات من الحركات السودانية المسلحة في أوغندا.
قالت نجوى، وفق شرفي، إن الحكومة السودانية تريد إبعاد قادة تلك الحركات من الأراضي الأوغندية، وإنها كُلفت بالعمل على تحقيق ذلك.
كان السفير يرى خيارًا مختلفًا. فقد كان موسيفيني يقترح جمع الحكومة السودانية والحركات المسلحة في مفاوضات سرية من دون شروط مسبقة. ورأى شرفي أن نجاح المبادرة يمكن أن يفتح بابًا للسلام داخل السودان، وفي الوقت نفسه يحسن العلاقة بين الخرطوم وكمبالا.
أما نجوى فكانت تحمل موقفًا أقرب إلى رؤية حكومة البشير: لا تفاوض قبل إبعاد الحركات؛ فالخرطوم كانت تريد أولًا ضمان أن أوغندا لا تقدم دعمًا لها.
«كانت تريد تنفيذ طلب الحكومة السودانية أولًا، بينما كنت أرى أن بقاء الحركات في أوغندا يمنح موسيفيني نفوذًا يمكن استخدامه لصالح التفاوض».
تكشف هذه الشهادة أن نجوى لم تكن وسيطة محايدة في جميع الأوقات. كانت، في بعض الملفات، تحمل موقف طرف وتعمل لإقناع الطرف الآخر به.
وبعد نحو عام، أبعدت السلطات الأوغندية عددًا من قادة الحركات إلى باريس. ويرى شرفي أن الخطوة أضعفت فرص مبادرة موسيفيني، لأن القادة فقدوا الثقة في الوساطة الأوغندية.
لكن السؤال ظل بلا إجابة: من داخل الدولة السودانية كلف نجوى بهذه المهمة؟
يتحدث شرفي عن «الحكومة السودانية»، لكنه لا يحدد هل جاء التكليف من الرئاسة، أم وزارة الخارجية، أم جهاز الأمن. وهذه الفجوة ليست تفصيلًا إداريًا؛ فهي دليل على طبيعة المجال الذي كانت تعمل فيه: مهام دولة من دون أثر مؤسسي واضح.
نجوى بصوتها
لم تعد سيرة نجوى قدح الدم موزعة بالكامل بين شهادات من عرفوها وروايات من عملوا معها.
ففي تسجيل مصور يعود إلى الأول من أكتوبر 2018، تظهر نجوى متحدثة في «قمة قادة العالم للمحبة والسلام» بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على توقيع الاتفاق المنشّط للسلام في جنوب السودان.
قدمها الشريط التعريفي بوصفها مستشارة للرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. أما هي فقد قالت للحضور:
«أنا نجوى قدح الدم من السودان. عملت مستشارة رئاسية دولية أولى لرئيس أوغندا، وفي الوقت نفسه مبعوثة مرتبطة بالرئاسة السودانية».
تكشف العبارة الطريقة التي كانت ترى بها موقعها: شخصية تعمل بالقرب من رئاستين، وتتحرك بينهما خارج الحدود البيروقراطية المعتادة.
خصصت نجوى الجزء الأكبر من كلمتها لوساطة السلام في جنوب السودان. تحدثت عن مفاوضات استمرت ثلاثة أشهر، وعن دور البشير وموسيفيني، والترتيبات الأمنية، وإعادة تنشيط الحكم، ثم توقيع الاتفاق في أديس أبابا.
وقالت عن نفسها:
«كنت واحدة من الذين توسطوا وأسهموا في إنجاز العملية بأكملها».
تتطابق الإشارات الزمنية والسياسية في حديثها مع الاتفاق المنشّط لتسوية النزاع في جنوب السودان، الموقع في سبتمبر 2018. ولا يرد اسم نجوى ضمن الوسطاء الرسميين أو الموقعين في وثائق الاتفاق، ما يرجح أن الدور الذي وصفته كان جزءًا من التسهيلات والقنوات الخلفية المحيطة بالمفاوضات.
لكن التسجيل يقدم ما لا تقدمه الوثائق: الطريقة التي كانت تفهم بها مهمتها.
«لا يمكن صنع سلام مصطنع؛ يجب أن يكون السلام في قلوب الناس».
في كلمتها امتزجت اللغة الأخلاقية بالتفاصيل السياسية؛ الحب والأمل من جهة، والترتيبات الأمنية والحوكمة والانتخابات من جهة أخرى، وهذا المزيج يقدم مفتاحًا لفهم أسلوبها: كانت تبني الثقة الإنسانية أولًا، ثم تحاول تحويلها إلى تفاهمات سياسية قابلة للتنفيذ.
علاقة لا تسقط بسقوط النظام
واصلت نجوى العمل على ملف العلاقة بين الخرطوم وكمبالا. ويقول شرفي إنها نجحت عام 2016 في إقناع موسيفيني بزيارة السودان، في أول زيارة له إلى الخرطوم منذ نحو عقدين.
وخلال الزيارة، توجه الرئيس الأوغندي إلى منزل أسرتها في العباسية.
لم تكن الزيارة بندًا بروتوكوليًا معتادًا في برنامج رئيس دولة؛ كانت إشارة إلى أن العلاقة التي بنتها نجوى تجاوزت حدود التكليف الرسمي، وأصبحت جزءًا من شبكة شخصية واجتماعية.
وعندما سقط نظام البشير في أبريل 2019، اختفت أسماء ومواقع كثيرة ارتبطت بالقصر، لكن نجوى لم تختفِ.
وفق شهادة شرفي، وافق البرهان، عندما كان رئيسًا للمجلس العسكري الانتقالي، على استمرارها مستشارة في القصر الجمهوري. كما تولت تنسيق زيارة له إلى أوغندا قبل تشكيل الحكومة الانتقالية.
لم تظهر وثيقة علنية توضح طبيعة هذا التكليف، ولا المسمى الذي كانت تحمله داخل القصر. لكن استمرارها يكشف حقيقة أساسية: النظام تغير، أما قيمة القناة التي تمتلكها فلم تتغير.
كان موسيفيني لا يزال في موقعه، وأوغندا لا تزال دولة مؤثرة في الإقليم، والقيادة الجديدة في الخرطوم كانت تحتاج إلى علاقات سريعة مع العواصم المجاورة.
عبرت نجوى بين البشير والبرهان لأنها لم تكن تستمد نفوذها من البشير وحده؛ كانت تستمده من علاقتها بموسيفيني ومن قدرتها على الوصول بين العاصمتين.
عنتبي: حين خرجت القناة إلى العلن
في الثالث من فبراير 2020، التقى البرهان نتنياهو في عنتبي برعاية موسيفيني.

فاجأ اللقاء الحكومة الانتقالية والقوى السياسية السودانية. وقال الناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك إن مجلس الوزراء علم بالاجتماع من وسائل الإعلام.
يتجاوز السؤال هنا إسرائيل نفسها ليطال من يملك قرار السياسة الخارجية في السودان. هل يستطيع رئيس مجلس السيادة التحرك منفردًا في ملف بهذا الحجم؟ وهل كان الاجتماع قرارًا للدولة، أم خطوة اتخذتها دائرة محدودة ثم فرضتها على بقية مؤسسات الحكم؟
في قلب هذه الأسئلة ظهر اسم نجوى.
يقول عادل شرفي، بصورة صريحة، إنها تولت ترتيب وتنظيم اللقاء بين البرهان ونتنياهو بوساطة أوغندية.
وتتقاطع شهادته مع رواية إسرائيلية قدمتها بوصفها شخصية مركزية في القناة التي مهدت لعنتبي.
شبكة تمتد إلى إسرائيل
وفق تقارير إسرائيلية منسوبة إلى القناة 13، بدأت الاتصالات التي سبقت اللقاء في ديسمبر 2019، ثم انتقلت إلى قناة لعبت فيها نجوى دورًا رئيسيًا.
وتقول هذه الرواية إنها تواصلت مع شخصيات داخل دوائر القرار السياسي والأمني الإسرائيلي، بينها مستشار الأمن القومي مئير بن شبات، ورئيس الموساد يوسي كوهين، ومبعوث سري لرئيس الوزراء الإسرائيلي أشير إليه باسم «معوز».
كما نُقل عن الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد أن نجوى كانت قريبة من البرهان، وأنها شاركت في نسج العلاقات السرية التي قادت إلى اللقاء.
أما المحامي الإسرائيلي نيك كوفمان، الذي ارتبط اسمه بتبادل الرسائل الأولى بين البرهان ونتنياهو، فقد قال عنها:
«دبلوماسية ممتازة. لولا نشاطها لما كانت هناك علاقات بين إسرائيل والسودان».
فهي، وفق المصادر الإسرائيلية، عقدة ضمن شبكة أوسع امتدت من الرئاسة الأوغندية والقيادة السودانية إلى مكتب نتنياهو وشخصيات داخل مجلس الأمن القومي والموساد، متجاوزة حدود القناة الثنائية بين الخرطوم وكمبالا.
لكن هذه الرواية تحتاج إلى مسافة نقدية.
فالأطراف الإسرائيلية التي قدمتها كانت جزءًا من العملية نفسها، وكانت معنية بعرض التطبيع بوصفه نجاحًا دبلوماسيًا وأمنيًا. كما أن بعض التفاصيل وردت عبر تقارير تلفزيونية أو مصادر لم تُسمَّ، ولم تتوافر نصوص أصلية كاملة تسمح بمراجعة جميع عناصرها.
مع ذلك، فإن تقاطعها مع شهادة شرفي يجعل من الصعب اختزال دور نجوى في مجرد الحضور داخل المشهد.
كانت، على الأرجح، واحدة من العقد التي مر عبرها الاتصال.
الوسيط والقرار
لا تعني مركزية دور نجوى أنها كانت صاحبة القرار السياسي.
يستطيع الوسيط أن يفتح القناة، وينقل الرسالة، ويهيئ اللقاء، لكنه لا يتخذ قرار الدولة ما لم يكن مفوضًا بذلك من صاحب السلطة.
ولهذا فإن تحويل نجوى إلى «مهندسة التطبيع» بصورة مطلقة يمكن أن يحجب المسؤولية عن أصحاب القرار أنفسهم.
موسيفيني استضاف وتوسط. الجانب الإسرائيلي سعى إلى فتح مسار مع السودان. البرهان وافق على الاجتماع وذهب إليه. أما الحكومة الانتقالية، فوجدت نفسها أمام خطوة اتخذت خارج مؤسساتها.
تكشف سيرة نجوى الطريق الذي عبر منه القرار، لكنها لا تنقل إليها مسؤولية من قرر العبور.
المحاولة الأخيرة
في أواخر مايو 2020، أصيبت نجوى بفيروس كورونا، وعاد اسمها إلى التغطية الإسرائيلية.
قالت تقارير نقلتها وسائل إعلام ناطقة بالعربية إن طائرة خاصة توجهت إلى الخرطوم، وعلى متنها فريق طبي وأدوية ومعدات في محاولة لإنقاذ حياتها.
وبحسب تلك التغطيات، كان يفترض أن تبقى الرحلة سرية، قبل أن تكشف مواقع تتبع الطيران مسارها.
ربط الإعلام الإسرائيلي بين محاولة الإنقاذ والدور الذي أدته نجوى في فتح القناة مع السودان، وقدم العملية بوصفها محاولة لإنقاذ شخصية استثمرت إسرائيل في علاقتها السياسية.
لكن تفاصيل المهمة لم تُكشف كاملة. لم تُعلن أسماء أعضاء الفريق، ولم تُحدد هوية المسؤول الإسرائيلي الذي قيل إنه كان على متن الطائرة، ولم تصدر رواية سودانية متكاملة عن الترتيبات التي سمحت بالرحلة.
توفيت نجوى في الخرطوم في 27 مايو 2020.
غير أن وفاتها لم تغلق القصة؛ فقد احتفظ كل طرف بالنسخة التي تناسبه منها.
امرأة أكبر من أرشيفها
لم تترك علاقتها بموسيفيني رواية عامة متكاملة، ولم توضح وثائق منشورة طبيعة تكليفها داخل القصرين الأوغندي والسوداني، وظل دورها في الطريق إلى عنتبي بلا شهادة توازي كلمتها عن السلام.
ورد اسمها في تقارير عربية وإنجليزية، وفي تغطيات إسرائيلية متفرقة، وحُفظ حضورها في الصور، وفي شهادات أفراد أسرتها ودبلوماسيين عرفوها، وفي تسجيل مصور نادر قدمت فيه فهمها الخاص للوساطة.
لكن أجزاء واسعة من قصتها ظلت موزعة بين روايات الآخرين.
تختلف الرواية بحسب من يرويها: تتذكر الأسرة ابنة العباسية، وتصف صديقتها المرأة التي تعرف كيف تقنع من دون أن تصطدم، بينما يستحضر الدبلوماسي المستشارة المتنقلة بين القصرين، أما الإعلام الإسرائيلي فاحتفظ بصورة مختلفة كليًا: «مهندسة القناة السرية». والصورة النادرة من الدوحة تحفظ لحظة كان فيها رئيس تحرير سودان ستوري يقف خلفها من دون أن يعرف أنه سيعود، بعد سنوات، لتتبع أثرها.
أما صوت نجوى، فعلى الرغم من ظهوره في حديثها عن سلام جنوب السودان، ظل غائبًا عن الملف الذي حدد صورتها السياسية بعد رحيلها: عنتبي.
يتجاوز هذا الغياب الفراغ الشخصي إلى مشكلة مؤسسية: فحين تتحرك قضايا الدولة عبر وسطاء لا تترك مهامهم أثرًا مكتوبًا، تصبح الذاكرة الوطنية معلقة بشهادات الأفراد، وبما يختار كل طرف أن يقوله بعد انتهاء المهمة.
سيرة نجوى قدح الدم تكشف أكثر من قصة امرأة اقتربت من الرؤساء؛ فهي تكشف دولة كانت قراراتها الكبرى تعبر أحيانًا من العلاقات الشخصية قبل أن تصل إلى المؤسسات، وتتحول إلى واقع قبل أن تُكتب لها محاضر أو تُحدد لها مسؤوليات.
غابت نجوى، لكن النموذج الذي مثّلته لم يغب معها: نفوذ لا يحتاج مكتبًا ليمارس نفسه، وسياسة خارجية تولد أحيانًا في الظل قبل أن تُفرض على الجمهور كأمر واقع.
كل حكاية تستحق أن تُروى
إعداد: فريق سودان ستوري







