Sudanese migrants carrying their luggage stand in line at the Mitiga airport in the Libyan capital Tripli, before flying back to their country voluntarily, on December 15, 2021. - tens of thousands of sub-Saharan African migrants try to use Libya as a launch pad for desperate bids to reach Europe. (Photo by Mahmud Turkia / AFP) (Photo by MAHMUD TURKIA/AFP via Getty Images)

سودان ستوري | متابعة خاصة: طرابلس

بالنسبة إلى كثير من السودانيين الذين غادروا بلادهم هرباً من الحرب، لم يكن عبور الحدود نهاية للخوف، بل بداية لقلق جديد في بلاد اللجوء والانتظار. وفي ليبيا، يجد سودانيون، بينهم صحفيون وصحفيات، أنفسهم اليوم أمام موجة متصاعدة من الحملات المناهضة للأجانب، وسط دعوات على منصات التواصل الاجتماعي تطالب بالتضييق على المهاجرين واللاجئين.

وتستند هذه المعالجة إلى تقرير نشره موقع **سودان تربيون** حول الأوضاع التي يواجهها السودانيون في ليبيا، وخصوصاً الصحفيين، في ظل تصاعد خطاب الكراهية والدعوات المناهضة للوافدين.

القضية هنا لا تتعلق بالهجرة وحدها، بل بسؤال الحماية: ماذا يحدث لمن فرّ من حرب مفتوحة، ثم وجد نفسه في بيئة لا تمنحه الأمان الكافي، ولا تتيح له عملاً مستقراً، ولا توفر له مساراً واضحاً للحماية القانونية والإنسانية؟

صحفيون في المنفى القلق

وفق التقرير، يوجد في ليبيا نحو “39 صحفياً وصحفية سودانيين”، بينهم “13 صحفية”. ويتمركز عدد كبير منهم في مدن مثل “طرابلس” و”مصراتة” و”صبراتة” و”صرمان”، وهي مناطق يعيش فيها السودانيون وسط مخاوف متزايدة من حملات التفتيش والملاحقة والتوقيف.

بعض هؤلاء الصحفيين لم يعودوا قادرين على ممارسة عملهم. آخرون اضطروا إلى التوقف عن أعمال مؤقتة كانوا يعتمدون عليها لتوفير احتياجاتهم اليومية. وفي حالات أخرى، بات الخروج من المنزل نفسه قراراً محفوفاً بالحسابات، لا سيما مع تنامي الخطاب العدائي ضد الأجانب.

هنا تتضاعف هشاشة الصحفي السوداني. فهو لم يخسر بيئة العمل والمؤسسة والمصدر المهني فحسب، بل وجد نفسه أيضاً خارج شبكة الحماية الوطنية والنقابية، في بلد عبور تتداخل فيه السياسة والأمن والهجرة والاقتصاد.

 النساء الصحفيات.. خوف مضاعف ومسارات نجاة ضيقة

تبدو أوضاع الصحفيات أكثر تعقيداً. فبحسب ما أورده التقرير، اضطرت بعض الصحفيات إلى البحث عن بدائل معيشية بعيدة عن العمل الصحفي، من بينها إعطاء الدروس الخصوصية، لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية.

هذه التفاصيل الصغيرة تكشف معنى كبيراً: الحرب لا تطرد الناس من بيوتهم فقط، بل تطردهم أحياناً من مهنتهم، ومن أدوارهم العامة، ومن قدرتهم على الحضور في المجال الذي يعرفونه.

وحين تضطر صحفية إلى الاختفاء داخل منزلها، أو التخلي عن عملها، أو تقليل حركتها خوفاً من التفتيش أو الاستهداف، فإن الخسارة لا تقع على الفرد وحده؛ بل تمتد إلى الذاكرة العامة، وإلى حق المجتمع السوداني في أن تُروى قصته بأصوات أبنائه وبناته.

غياب الحماية الرسمية

من بين أكثر النقاط حساسية في شهادات السودانيين بليبيا الحديث عن ضعف أو غياب الدور الرسمي السوداني في متابعة أوضاعهم. فقد انتقدت إفادات نقلها التقرير غياب تدخل واضح من السفارة السودانية في طرابلس لحماية الرعايا السودانيين أو تقديم الدعم اللازم لهم.

في أوضاع كهذه، لا يحتاج اللاجئ أو الصحفي أو العامل السوداني إلى بيانات عامة فقط، بل إلى قناة اتصال واضحة، ومساعدة قانونية عند الخطر، وتنسيق مع المنظمات الدولية، ومتابعة دقيقة للحالات الأكثر هشاشة.

غياب هذا الدور يترك الناس في فراغ صعب: لا هم آمنون تماماً في بلد اللجوء، ولا هم قادرون على العودة إلى بلدهم، ولا يملكون مساراً واضحاً نحو بلد ثالث.

نقابة الصحفيين تطلب تحركاً عاجلاً

أعربت “نقابة الصحفيين السودانيين” عن قلقها من أوضاع الصحفيين السودانيين في ليبيا، مؤكدة تلقيها شهادات عن تهديدات ومضايقات وممارسات تمييزية طالت بعضهم وأسرهم.

وطالبت النقابة بتدخل المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، وإجراء تقييم مستقل لأوضاع الصحفيين السودانيين في ليبيا، إلى جانب توفير الدعم القانوني والإنساني والنفسي للحالات المتضررة.

كما دعت إلى النظر في خيارات الإجلاء الإنساني أو إعادة التوطين أو الانتقال الآمن للحالات الأكثر عرضة للخطر.

 ليست أزمة هجرة فقط

ما يحدث للسودانيين في ليبيا يجب ألا يُقرأ باعتباره ملف هجرة تقليدياً. فهؤلاء لم يغادروا السودان في ظروف عادية، بل خرج كثيرون منهم من حرب واسعة أفقدت الملايين بيوتهم وأعمالهم ومصادر رزقهم.

وبالنسبة إلى الصحفيين تحديداً، فإن الخطر يتخذ وجهاً إضافياً. الصحفي الذي وثّق الحرب أو غطّى آثارها أو دفعته ظروفها إلى المنفى، يصبح في حاجة إلى حماية خاصة، لا لأنه فوق الآخرين، بل لأن إسكات صوته يعني أيضاً إضعاف قدرة المجتمع على معرفة ما يجري.

مسؤولية لا تحتمل التأجيل

تحتاج أوضاع السودانيين في ليبيا إلى تعامل عاجل من ثلاث جهات: السلطات الليبية، لضمان عدم تعرض المقيمين واللاجئين للاستهداف أو العقاب الجماعي؛ المؤسسات السودانية، لمتابعة رعاياها وتقديم الحماية القنصلية والقانونية؛ والمنظمات الدولية، لتقييم الحالات الأكثر هشاشة وتوفير مسارات حماية واقعية.

أما الصحفيون والصحفيات السودانيون، فإن أوضاعهم تستدعي تحركاً مهنياً وإنسانياً عاجلاً، يشمل التوثيق، والدعم القانوني، والمساندة النفسية، والبحث عن حلول آمنة لمن أصبح بقاؤه في ليبيا مصدر خطر مباشر.

في النهاية، لا تنتهي الحرب عند الحدود. أحياناً تواصل مطاردة الفارين منها في الغربة، في العمل، في الشارع، وفي الخوف اليومي من طرقات الباب.

سودان ستوري” ترى أن حماية السودانيين في ليبيا، وخصوصاً الصحفيين والصحفيات، يجب أن تُعامل كأولوية إنسانية ومهنية عاجلة. فكل حكاية لا تجد الأمان، قد لا تجد من يرويها.

________________________
المصدر الأساسي للمعلومات: تقرير منشور في سودان تربيون، مع معالجة تحريرية خاصة من سودان ستوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *