بينما انشغلت الأخبار بصور الحرب والنزوح، أعادت رحلة الحج التي جمعت بين مريم النور ووالدتها التسعينية رقية أبو لكر التذكير بقيم الرحمة والوفاء التي ما تزال تسكن المجتمع السوداني.
بقلم: محرري سودان ستوري
في وقت ما تزال فيه صور الحرب والنزوح والمعاناة الإنسانية تلاحق السودانيين داخل البلاد وخارجها، خرجت من المشاعر المقدسة حكاية مختلفة تمامًا؛ حكاية لا تتحدث عن الفقد، بل عن ما بقي متماسكًا رغم كل شيء.
وسط ملايين الحجاج خلال موسم الحج، تداول آلاف السودانيين والعرب مقطعًا مصورًا يظهر الحاجة مريم النور، وهي سيدة سودانية تجاوزت السبعين من عمرها، ترافق والدتها التسعينية رقية أبو لكر بين المشاعر المقدسة، ممسكة بيدها في رحلة بدت للكثيرين أكثر من مجرد أداء لفريضة الحج.
كان المشهد بسيطًا في ظاهره، لكنه حمل معاني عميقة عن البر والوفاء وقوة الروابط الأسرية التي ظل المجتمع السوداني يتمسك بها حتى في أكثر أوقاته قسوة.
رحلة إلى الحج.. ورحلة إلى القلب
بالنسبة للحاجة مريم، لم تكن الرحلة مجرد انتقال إلى الأراضي المقدسة لأداء الفريضة، بل كانت فرصة لمرافقة والدتها والعناية بها في مرحلة متقدمة من العمر.
ظهرت وهي تلازم والدتها في السكن والتنقل وأداء المناسك، تحرص على راحتها وسلامتها، وتتابع احتياجاتها في كل محطة من محطات الحج.
ورغم أن مريم نفسها أم لثمانية أبناء وبنات، فإنها اختارت أن تجعل هذه الأيام القليلة مكرسة بالكامل لوالدتها، وكأنها ترد جزءًا من جميل سنوات طويلة من الرعاية والعطاء.
ويقول مقربون من الأسرة إن الحاجة رقية تحظى بمحبة كبيرة بين أبنائها وبناتها التسعة، الذين يتنافسون على رعايتها وخدمتها، في صورة تعكس مكانة الوالدين داخل كثير من الأسر السودانية.
أكثر من قصة بر
لكن ما جعل هذه الحكاية تلامس قلوب الآلاف لم يكن مشهد البر وحده.
فبالنسبة لكثير من السودانيين الذين تابعوا القصة، بدت الحاجة مريم صورة مألوفة من واقع عاشته آلاف الأسر خلال سنوات الحرب؛ نساء حملن مسؤولية رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، وحافظن على تماسك عائلاتهن وسط النزوح والخسارات وعدم اليقين.
لهذا رأى كثيرون في صورة الابنة السبعينية وهي تسند والدتها التسعينية ما هو أبعد من لحظة عائلية مؤثرة، بل انعكاسًا لقيم صمدت رغم القسوة، وظلت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بعيدًا عن الأضواء.
تفاعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي
حظيت القصة بتفاعل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث امتلأت التعليقات بالدعوات للحاجتين بالصحة والقبول وطول العمر.
وكتب كثيرون أن المشهد أعاد إليهم شيئًا من الأمل وسط الأخبار القاسية التي تلاحق السودانيين منذ سنوات، بينما رأى آخرون فيه تذكيرًا بالقيم التي ما تزال تجمع الأسر السودانية رغم التشتت والمسافات والظروف الصعبة.
الوجه الآخر للسودان
في عالم تهيمن عليه صور الصراع والأزمات، تمر أحيانًا حكايات صغيرة تحمل معاني أكبر من حجمها.
وقصة مريم النور ووالدتها رقية أبو لكر واحدة من تلك الحكايات.
فهي لا تحكي فقط عن ابنة بارة رافقت أمها إلى الحج، بل تكشف جانبًا آخر من السودان؛ جانبًا ما تزال تسكنه الرحمة، وتحفظه الأسرة، وتحمله النساء على أكتافهن كل يوم.
وبينما تتبدل الأحوال وتتعاقب الأزمات، يبقى هذا النوع من الحكايات شاهدًا على أن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تواجهه من تحديات، بل أيضًا بما تحتفظ به من قيم إنسانية قادرة على البقاء.
في النهاية، لم يرَ آلاف المتابعين في تلك اليد التي أمسكت بيد أمها مجرد مشهد عابر من موسم الحج، بل رأوا قصة عن السودان نفسه؛ بلد أنهكته الحرب، لكنه ما يزال قادرًا على إنتاج لحظات من الرحمة والوفاء تستحق أن تُروى.
وفي زمن طغت فيه أخبار الحرب على كل شيء، جاءت هذه الحكاية لتكشف وجهًا آخر للسودان؛ وجهًا ما تزال تسكنه الرحمة، وتحرسه الأمهات، وتحمله النساء على أكتافهن بصمت كل يوم، حتى في أحلك الظروف.
