متابعة مستمرة لملف التعليم العالي وتداعيات الحرب في السودان
سودان ستوري | تقارير
الخرطوم | 3 يونيو 2026
وضعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجامعات السودانية أمام استحقاق مصيري، بعدما ألزمت جميع مؤسسات التعليم العالي بالعودة إلى مقارها الأصلية قبل الأول من أغسطس المقبل، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً لإعادة مؤسسات التعليم إلى مواقعها المعتمدة واستئناف النشاط الأكاديمي بصورة كاملة بعد سنوات من الحرب.
وأصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي، رئيس المجلس القومي للتعليم العالي، البروفيسور أحمد مضوي موسى، القرار الوزاري رقم (83) لسنة 2026، مستنداً إلى أحكام قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2021، موجهاً كافة الجامعات ومؤسسات البحث العلمي بإيقاف العمل في المراكز البديلة والمؤقتة داخل السودان وخارجه، واستئناف النشاط الأكاديمي والإداري من مقارها الأصلية.
كما ربط القرار السماح للمؤسسات بالمشاركة في القبول الجامعي للعام الدراسي 2026 – 2027 باستكمال إجراءات العودة قبل الموعد المحدد، ما يجعل الأول من أغسطس محطة حاسمة بالنسبة للجامعات الساعية لاستعادة نشاطها الطبيعي.
نصف مليون طالب في مواجهة آثار الحرب
يأتي القرار في وقت لا يزال فيه قطاع التعليم العالي يواجه تداعيات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، والتي أجبرت الجامعات على إنشاء مراكز مؤقتة في الولايات الآمنة أو الاعتماد على التعليم الإلكتروني ومقار خارج السودان لضمان استمرار العملية التعليمية.
وبحسب تقديرات رسمية، بلغت الخسائر المادية التي تكبدتها الجامعات السودانية نحو ثلاثة مليارات دولار، فيما تعرضت البنية التحتية لما يقارب 120 جامعة وكلية حكومية وخاصة لأضرار وعمليات نهب وتخريب واسعة، خاصة في ولاية الخرطوم.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن هذه المؤسسات تضم نحو نصف مليون طالب، ما يجعل أي تعثر في تنفيذ خطة العودة مؤثراً بصورة مباشرة على مستقبل أعداد كبيرة من الدارسين وأسرهم.
الدمار لم يقتصر على القاعات الدراسية
ولم تتوقف آثار الحرب عند المباني والمنشآت الجامعية، بل امتدت إلى المختبرات والمكتبات والأجهزة البحثية المتخصصة، إضافة إلى تدمير عدد من المستشفيات التعليمية التي كانت تؤدي دوراً مزدوجاً في التدريب الأكاديمي وتقديم الخدمات الصحية.
كما طالت أعمال التخريب عدداً من الجامعات خارج الخرطوم، بما في ذلك مؤسسات أكاديمية في إقليم دارفور، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود إعادة تشغيل المؤسسات المتضررة خلال فترة زمنية قصيرة.
أزمة الكوادر البشرية
إلى جانب الخسائر المادية، تواجه الجامعات السودانية تحدياً لا يقل خطورة يتمثل في هجرة أعداد كبيرة من أعضاء هيئة التدريس والباحثين إلى خارج البلاد خلال سنوات الحرب، بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً.
وفي المقابل، اضطر آلاف الطلاب إلى تعليق دراستهم أو الانتقال إلى مؤسسات تعليمية في الخارج، بينما دفعت الظروف الاقتصادية والأمنية كثيرين إلى مغادرة مقاعد الدراسة بصورة مؤقتة أو دائمة.
ويرى مراقبون أن نجاح خطة العودة لن يعتمد فقط على إعادة فتح القاعات الدراسية، بل على قدرة الجامعات على استعادة كوادرها الأكاديمية وتوفير الحد الأدنى من البيئة التعليمية اللازمة لاستئناف الدراسة وفق معايير الجودة المطلوبة.
اختبار حقيقي للتعليم العالي
ويمثل قرار وزارة التعليم العالي محاولة لإعادة الانتقال من مرحلة الطوارئ إلى مرحلة الاستقرار المؤسسي، غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة والجامعات على معالجة آثار الحرب المتراكمة وتأمين الموارد اللازمة لإعادة التأهيل والتشغيل.
ومع اقتراب موعد الأول من أغسطس، تبدو الجامعات السودانية أمام اختبار حقيقي؛ فبين رغبة الدولة في استعادة الحياة الأكاديمية، وواقع الدمار الذي خلفته الحرب، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة مؤسسات التعليم العالي على اجتياز هذا الاستحقاق والعودة الفعلية إلى مقارها الأصلية.

