بقلم: محمد أحمد شبشة
ليس من الصعب الاتفاق مع كثير مما ورد في بيان «قوى ميثاق القاهرة» الصادر في 8 سبتمبر 2026. وقف النزاع المسلح، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وإنهاء الإفلات من العقاب، وبناء دولة مدنية ديمقراطية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وتحقيق العدالة الانتقالية؛ كلها مطالب تبدو بديهية في بلد أنهكه نزاع مسلح دخل عامه الرابع، وحوّل الدولة والمجتمع إلى ساحة مفتوحة للدمار والنزوح والفقر والانهيار.

لكن البيانات السياسية لا تُقرأ فقط بما تقوله، وإنما أيضاً بما تفترضه وما تسكت عنه والأسئلة التي تتركها معلقة.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية بيان «ميثاق القاهرة» في كونه موقفاً جديداً لقوى مدنية سودانية بقدر ما تكمن في دخوله إلى صراع أقدم وأعمق في السياسة السودانية: من يملك حق تعريف المرحلة المقبلة؟ ومن يملك تمثيل المدنيين؟ ومن يقرر، في النهاية، حدود المشاركة السياسية بعد الحرب؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
ينطلق البيان من توصيف يصعب الاختلاف معه: النزاع المسلح لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع، بل تحوّل إلى كارثة وطنية شاملة دمرت الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، ووسعت دائرة الفقر وانهيار الخدمات.
لكن المشكلة تبدأ عند الانتقال من توصيف الكارثة إلى تفسير جذورها، ثم إلى تحديد القوى المؤهلة لإدارة ما بعدها.
يضع البيان طرفي النزاع المسلح في دائرة المسؤولية عن الانتهاكات والجرائم، ويتمسك بمبدأ عدم الإفلات من العقاب. وهذا ضروري من حيث المبدأ. لكن المساواة بين طرفي القتال في الخضوع للمساءلة عن الانتهاكات لا تعني اختزال التاريخ السياسي الذي أنتج النزاع المسلح نفسه.
فهناك فرق بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية السياسية والمسؤولية التاريخية.
ولا يعني ذلك تبرئة أي طرف مما ارتكبه، بل يعني أن حرب أبريل 2023 لم تبدأ من فراغ، وأن السودان لم يدخلها من خارج تاريخه. سبقتها عقود من عسكرة الدولة، والانقلابات، وتسييس المؤسسة العسكرية، واحتكار السلطة والثروة، وتهميش الأقاليم، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات للولاء السياسي، وإضعاف المؤسسات المدنية، إلى جانب نخب سياسية تنافست طويلاً على السلطة أكثر مما تنافست على تغيير بنية الدولة.

النزاع المسلح، بهذا المعنى، ليس انفجاراً عسكرياً فقط؛ إنه أيضاً نتيجة متأخرة لأزمة دولة.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في البيان حديثه عن «جذور الأزمة» و«تجديد العقد الاجتماعي». فهو يقترب بذلك من السؤال الذي ظل السودان يتفاداه منذ الاستقلال: لماذا عجز عن إنتاج دولة مستقرة تدير اختلافاتها السياسية والاجتماعية والإقليمية من دون أن تنتهي إلى انقلاب أو تمرد أو حرب؟
لكن المفارقة أن البيان، وهو يقترب من هذا السؤال الكبير، يعيد إنتاج سؤال قديم داخل النخبة السياسية نفسها: من يملك تعريف «القوى المدنية الحقيقية»؟
هذه ليست مسألة لغوية.
فالمدنية ليست شهادة تمنحها مجموعة سياسية لمجموعة أخرى، والديمقراطية لا تبدأ عندما تنجح جماعة في إخراج خصومها من تعريف المجال السياسي.
إذا كان معيار المشاركة، كما يقول البيان، هو الالتزام بالسلام والديمقراطية والمدنية والعدالة ووحدة السودان، فمن يحدد مدى الالتزام بهذه المعايير؟ هل تحدده القوى الموقعة نفسها؟ أم القضاء؟ أم مؤسسات انتقالية متوافق عليها؟ أم الشعب في نهاية المطاف عبر انتخابات حرة؟
هذا السؤال مهم لأن عبارة نبيلة مثل «لا عودة لقوى الحرب والخراب» يمكن، في غياب معايير قانونية وسياسية شفافة، أن تتحول إلى مدخل جديد للإقصاء.
وللسودان تاريخ طويل مع هذه المشكلة. فكل سلطة تقريباً امتلكت تعريفها الخاص للوطنية، وكثير من القوى السياسية رأت في مراحل مختلفة أنها الأحق بتمثيل البلاد، بينما يمثل خصومها خطراً على الدولة أو الثورة أو الديمقراطية.
والحال أن العقد الاجتماعي الحقيقي لا يقوم على اتفاق المتشابهين، بل على قدرة المختلفين على إدارة خلافاتهم داخل نظام واحد.
الديمقراطية ليست أن نتفق على من نحب، بل أن نبني نظاماً يسمح لنا بالاختلاف من دون أن يقتل بعضنا بعضاً.
لذلك لا يكفي أن يكون السؤال: كيف تتوحد القوى المدنية؟ بل ينبغي أن يسبقه سؤال آخر: كيف نبني نظاماً سياسياً يستوعب اختلاف المجتمع السوداني من دون أن يتحول الاختلاف إلى نزاع مسلح؟
أي سودانيين يملكون العملية السياسية؟
يتحدث البيان أيضاً عن «عملية سياسية مملوكة للسودانيين». العبارة صحيحة وجذابة سياسياً، لكنها تفتح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: أي سودانيين؟
هل المقصود القوى السياسية التي وقعت على المواثيق؟ النخب الموجودة في القاهرة وأديس أبابا ونيروبي؟ القوى المدنية داخل السودان؟ لجان المقاومة؟ النقابات؟ الحركات المسلحة؟ الإدارات الأهلية؟ النساء والشباب؟ أم ملايين النازحين واللاجئين الذين دفعوا الثمن الأكبر للنزاع المسلح؟
فالسودان بعد النزاع المسلح لن يكون ورقة بيضاء تكتب عليها النخب السياسية الدولة التي تريدها.
هناك جيش وقوات مسلحة أخرى وحركات مسلحة وإدارات أهلية وأحزاب ومجتمع مدني وشباب ونساء ونقابات وقطاع أعمال وشبكات مصالح اقتصادية ومجتمعات محلية، إلى جانب قوى إقليمية ودولية وملايين النازحين واللاجئين. وهذه كلها ستصبح، بطريقة أو بأخرى، جزءاً من معادلة ما بعد النزاع المسلح.
ولهذا لا ينبغي أن تبقى «ملكية السودانيين للعملية السياسية» شعاراً، بل يجب أن تتحول إلى سؤال عن بنية التمثيل نفسها: من يختار الممثلين؟ وكيف يتم اختيارهم؟ وما الوزن الحقيقي لكل مكون؟
هل تستطيع امرأة نازحة من دارفور، أو مزارع من الجزيرة، أو شاب من كردفان، أو عامل من بورتسودان، أن يمتلك وزناً في صياغة الدولة الجديدة يقارب الوزن الذي تملكه نخبة سياسية اعتادت المنابر والتحالفات وإصدار البيانات؟
هنا تظهر واحدة من أقدم مشكلات السياسة السودانية: المركز لا يختفي لمجرد أن يصبح مدنياً.
قد تتغير الشعارات، وينتقل الحكم من الزي العسكري إلى البدلة المدنية، بينما تبقى مركزية القرار كما هي. وذلك هو الفارق بين تغيير النخبة وتغيير بنية الدولة.
وقد تنجح قوى مدنية في تأسيس مركز سياسي جديد، لكنها إذا استمرت في الحديث باسم الأطراف من دون منحها سلطة حقيقية في صناعة القرار، فإنها تكون قد غيّرت حارس المركز، لا المركز نفسه.
دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق والوسط والشمال ليست مجرد جغرافيا تحتاج إلى مقاعد رمزية في مؤتمرات السياسة. إنها مجتمعات لها مصالح وتاريخ وتجارب مختلفة مع الدولة.
وكذلك النازحون واللاجئون ليسوا أرقاماً في البيانات الإنسانية، والنساء والشباب ليسوا فئات تضاف إلى قوائم المشاركة لاستكمال صورة الديمقراطية.
إذا كان الحديث جدياً عن عقد اجتماعي جديد، فيجب أن يكون هؤلاء جزءاً من إنتاجه، لا جمهوراً يُطلب منه التصديق عليه بعدما تفرغ النخب من صياغته.
لهذا لا يمكن لقائمة طويلة من الأحزاب والتنظيمات والشخصيات الموقعة على أي ميثاق أن تكون، في حد ذاتها، دليلاً على اتساع التمثيل الشعبي.
هناك فرق بين تعدد القوى السياسية وتعدد المجتمع. الأول يمكن أن تنتجه التحالفات، أما الثاني فلا يتحقق إلا عبر مؤسسات وآليات تمثيل حقيقية.
العقد الاجتماعي ليس شعاراً
أما «تجديد العقد الاجتماعي» فلا ينبغي أن يبقى عبارة جذابة في البيانات، لأنه يدخل مباشرة إلى الأسئلة التي ظل السودان يؤجلها منذ الاستقلال:
من يملك الأرض والموارد؟ كيف توزع الثروة والسلطة؟ ما شكل الدولة؟ وما حدود المركز وصلاحيات الأقاليم؟ كيف يعاد بناء الجيش؟ وما موقع المؤسسة العسكرية من الاقتصاد والسياسة؟ وكيف تنظم العلاقة بين الدين والدولة؟ ومن يدفع تكلفة إعادة الإعمار؟ ومن يملك الموارد التي ستُستخدم في إعادة بناء البلاد؟
هذه ليست تفاصيل تأتي بعد الاتفاق السياسي.
إنها جوهره.
فالعقد الاجتماعي ليس اتفاقاً على أسماء الحكام أو شكل مجلس الوزراء، بل إعادة تعريف للعلاقة بين المواطن والدولة وإعادة توزيع للحقوق والسلطة والموارد.
ومن هنا فإن أزمة السودان ليست مجرد أزمة نخبة سياسية لم تجد بعد الصيغة المناسبة للتوافق، بل أزمة بنية دولة.
ووقف النزاع المسلح، مهما كان ضرورياً وعاجلاً، لا يعني تلقائياً إزالة أسبابها.
يمكن أن تصمت البنادق وتبقى البنية التي أنتجتها. ويمكن أن توقع القوى السياسية اتفاقاً جديداً، ثم تعود البلاد بعد سنوات إلى الصراع نفسه بأسماء مختلفة، إذا بقيت العلاقة بين المركز والأطراف، وبين المؤسسة العسكرية والسياسة والاقتصاد، وبين الدولة والمجتمع، وبين الثروة والسلطة على حالها.
الاختبار بعد البيان
الاختبار الحقيقي لـ«ميثاق القاهرة»، لذلك، لن يكون فيما قاله البيان، بل فيما يفعله الموقعون بعده.
هل يستطيع الميثاق أن يتحول إلى منصة فعلية لتقريب القوى المدنية، أم يصبح تحالفاً جديداً يضاف إلى تحالفات ظهرت ثم تراجعت أو انقسمت؟
هل يستطيع الانتقال من منطق «من معنا ومن ضدنا» إلى سؤال أكثر نضجاً: ما النظام الذي يمكن أن نعيش جميعاً داخله رغم اختلافنا؟
وهل يستطيع بناء معايير للمساءلة السياسية والقانونية تنطبق على الجميع، بدلاً من أن تتحول العدالة إلى وسيلة جديدة لإعادة ترتيب الخصوم؟
والأهم: هل يستطيع الموقعون الانتقال من تمثيل أنفسهم كقوى سياسية إلى بناء تمثيل اجتماعي حقيقي؟
فالمدنيون في السودان لا يواجهون فقط سؤال كيفية إنهاء النزاع المسلح. أمامهم سؤال أصعب: ماذا سيفعلون بالسلام إذا تحقق؟
إذا تحول السلام إلى فرصة جديدة لإعادة توزيع المناصب والمواقع والامتيازات، يكون النزاع المسلح قد دمر السودان من دون أن يغيّر سياسته.
أما إذا أصبح السلام لحظة تأسيسية لإعادة بناء الدولة وعلاقة المواطن بها، وإعادة توزيع السلطة والثروة، فقد تصبح هذه الكارثة، رغم فداحتها، نقطة قطيعة مع السودان القديم.
السودان، بهذا المعنى، لا يحتاج فقط إلى «مركز مدني موحد». إنه يحتاج إلى سياسة مدنية جديدة؛ لا تستبدل احتكار العسكريين للدولة باحتكار النخب المدنية لتعريف الوطنية، ولا تستبدل إقصاء الماضي بإقصاء جديد، ولا تختزل الديمقراطية في الانتخابات، ولا السلام في وقف إطلاق النار، ولا الدولة المدنية في استبدال الزي العسكري بالبدلة المدنية.
فالمشكلة في السودان لم تكن دائماً فيمن يجلس على الكرسي، بل في النظام الذي يجعل الكرسي نفسه مركزاً لتوزيع الدولة ومنافعها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال «من سيحكم السودان؟» هو سؤال أكثر جوهرية: أي دولة نريد أن يحكمها السودانيون؟ ومن يملك مواردها؟ ومن يقرر فيها؟ ومن يملك حق المشاركة والاعتراض؟ وكيف نضمن ألا تتحول مرة أخرى إلى غنيمة تتصارع عليها النخب والجيوش؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي ميثاق، بما فيه ميثاق القاهرة.
فإذا اقتصر على توحيد النخب المدنية، فقد يجمع السياسيين حول طاولة واحدة، لكنه لن يحل أزمة السودان.
أما إذا استطاع الانتقال من ميثاق بين القوى إلى عقد بين المجتمع والدولة، ووضع التمثيل الاجتماعي والعدالة الاقتصادية وإنهاء مركزية السلطة في قلب مشروعه، فقد يكون قد اقترب بالفعل من السؤال الذي ظل السودان يهرب منه منذ الاستقلال:
كيف نبني دولة لا يحتاج فيها أحد إلى حمل السلاح لكي يحصل على حقه فيها؟

