اعداد: عباس محمد إبراهيم
بعد كشف «سودان ستوري» خلفيته في المؤتمر الوطني المحلول، تتبعنا المسار التجاري لمهند عوض محمود. من شركة سودانية تقول إنها بدأت في 2012، إلى كيانات وأعمال في الإمارات ومصر والسويد وبريطانيا، وسجل مصري يضيف جنسية سانت لوسيا إلى القصة. وبين السياسة والأعمال، تبدو التواريخ أكثر لفتاً من عدد الشركات نفسه.
لم يكن السؤال هذه المرة: من هو مهند عوض؟
قبل أيام، كشفت «سودان ستوري» أن الرجل الذي دخل لجنة تسهيل الحوار السوداني–السوداني ليس مجرد رجل أعمال أو شخصية مستقلة استُدعيت إلى المجال العام، وإنما قيادي سابق في المؤتمر الوطني المحلول، شغل رئاسة دائرة وسط أفريقيا وكان مسؤولاً عن ملف جنوب السودان في الحزب الذي حكم السودان حتى سقوط نظام عمر البشير في 2019.
وكانت ثلاثة مصادر تحدثت سابقاً إلى «سودان ستوري» قد أكدت أن خلفية مهند الحزبية نوقشت داخل لجنة الحوار نفسها قبل إجازة عضويته.
لكن الكشف الأول فتح سؤالاً جديداً.
قال قيادي في إحدى القوى السياسية المساندة لسلطة بورتسودان، بعد اطلاعه على جانب مما توصلت إليه «سودان ستوري»، إنهم سيحملون المعلومات إلى اللجنة ضمن تحفظاتهم عليها. ثم طرح سؤالاً آخر:
«هل طريقة ظهوره بأكثر من اسم هي ما غيّبت علينا من يكون؟»
لم تعثر «سودان ستوري» في السجلات على ما يثبت أن مهند استخدم صيغاً مختلفة لاسمه بقصد إخفاء هويته. السجلات نفسها تكشف اختلافاً في طريقة تسجيل الاسم: مهند عوض محمود في الأخبار السودانية القديمة، وMuhanad Awad Mahmoud Siddig في سجل الشركات البريطاني، وMuhanad Siddig في قوائم أعمال دولية.
وقد يكون الأمر مجرد اختصار وترجمة للاسم، لكنه جعل الوصول إلى المسار الكامل للرجل يتطلب أكثر من مفتاح.
وما ظهر خلف الاسم نقل القصة إلى مكان آخر.
2012.. شركة قبل أن تصبح السياسة هي القصة
أقدم محطة تجارية واضحة وجدتها «سودان ستوري» تعود إلى عام 2012.
في ديسمبر 2022، نشرت دورية متخصصة في تجارة السمسم مقابلة مع مهند عوض محمود، وقدمته بصفته المدير العام لشركة Pro Import Export السودانية.
وقالت المادة إن الشركة تأسست عام 2012، وإنها تعمل في تصدير السلع السودانية، بينها السمسم الأبيض والأحمر والفول السوداني والحمص وحب البطيخ، وتصدر ما بين 15 و20 ألف طن سنوياً إلى أسواق تشمل الصين والهند وإندونيسيا وتونس وتركيا والإمارات.
تكمن أهمية التاريخ في ما جاء بعده.
فبحلول 2013 كان مهند يظهر علناً رئيساً لدائرة وسط أفريقيا بالمؤتمر الوطني، ويتحدث عن علاقات السودان مع تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا. وفي سنوات لاحقة ظهر أيضاً مسؤولاً عن ملف جنوب السودان، ثم نائباً لأمين أمانة أفريقيا في الحزب.
أي أن النشاط التجاري الذي كان مهند يديره قد بدأ بالفعل بينما كان الرجل يتحرك أيضاً داخل واحد من أجهزة العلاقات الخارجية للحزب الحاكم.
ولا تكشف السجلات المتاحة كيف كانت تدار الحدود بين المسارين.
كما لا تقدم حتى الآن صورة كاملة عن ملكية Pro Import Export أو شركائها.
بعد سقوط البشير.. الخريطة تتسع
بعد 2019، يبدأ اسم مهند في الظهور في سجلات تجارية خارج السودان.
في السويد، يظهر Muhanad Awad Mahmoud Siddig شريكاً في شركة ILLA Zu Handelsbolag إلى جانب أشرف الفاضل علي بسبر.
ثم يظهر اسم سيصبح مركزياً في بقية المسار: Pan Pro.
في قائمة المشاركين الرسمية في المنتدى العربي الألماني للأعمال لعام 2025، سجل مهند بصفته المدير العام لشركة Pan Pro General Trading LLC في الإمارات.
لكن Pan Pro تقود إلى اسم ثالث: Castries.
وتقول مواد منشورة على مواقع المجموعة إن Castries أُنشئت في 2021 كقسم من Pan Pro، وتعمل في الزراعة والتوريد والاستيراد والإنتاج والتصدير، مع وجود في الإمارات ومصر والسودان.
هنا لم نعد أمام شركة واحدة مرتبطة برجل أعمال سوداني.
أصبح لدينا على الأقل Pro Import Export وPan Pro وCastries وILLA Zu، موزعة بين أكثر من دولة، فيما لا يزال الهيكل القانوني الذي يربط بعضها ببعض غير ظاهر كاملاً في السجلات العامة.
مصر.. اسم جديد وجنسية جديدة
في مصر، يصبح المسار أكثر وضوحاً.
السجل التجاري المصري يثبت وجود Castries General Trading تحت القيد رقم 213891، وتظهر لاحقاً وحدة أو فرع للشركة في المنطقة الصناعية بمدينة بدر.
وتظهر الوثائق التي راجعتها «سودان ستوري» اسم مهند إلى جانب نادر عوض محمود صديق في إدارة الشركة، مع صلاحيات تجارية ومصرفية واسعة.
لكن أحد أكثر التفاصيل لفتاً للانتباه في الملف المصري يتعلق بالجنسية.
السجل يتضمن تعديلاً لجنسية مهند ونادر من السودانية إلى سانت لوسيا.
ولم تتمكن «سودان ستوري» حتى الآن من تحديد تاريخ حصول مهند على جنسية سانت لوسيا أو المسار الذي حصل عليها عبره.
ثم يأتي تفصيل آخر: Castries هي عاصمة سانت لوسيا.
هل توجد علاقة بين اختيار الاسم والجنسية؟
كان ذلك أحد الأسئلة التي أرسلتها «سودان ستوري» مباشرة إلى مهند.
ولم يصل رد.
بلفاست.. الملكية تظهر للمرة الأولى
في بريطانيا، تقدم الوثائق شيئاً لا توفره بقية السجلات التي حصلت عليها «سودان ستوري» حتى الآن: نسب الملكية عند التأسيس.
في 28 أكتوبر 2024 تأسست في أيرلندا الشمالية شركة Castries General Trading Ltd.
وتظهر وثيقة التأسيس أن مهند لم يكن مجرد مدير.
كان مؤسساً ومساهماً يملك 25 سهماً من أصل 100.
أما محمد أحمد محمد الطاهر فامتلك 75 سهماً، وسُجل باعتباره صاحب السيطرة الرئيسية على الشركة.
وسجلت الوثيقة مهند، المولود في أبريل 1980، باعتباره سوداني الجنسية.
هنا تظهر مفارقة أخرى.
في مصر سبق تعديل جنسيته إلى سانت لوسيا.
وفي بريطانيا، بعد نحو عام، يظهر سودانياً.
قد يكون الرجل يحمل الجنسيتين، وهو تفسير ممكن. مهند لم يجب حتى وقت النشر عن سؤال «سودان ستوري» بشأن جنسيتَي السودان وسانت لوسيا واستخدام كل منهما في سجل مختلف.
والشركة البريطانية نفسها لم تعش طويلاً. تأسست في أكتوبر 2024، ثم دخلت في إجراءات الشطب الطوعي قبل أن تُحل في فبراير 2026.
وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا أُنشئت الشركة في بلفاست؟ ماذا فعلت خلال نحو 15 شهراً؟ ولماذا أُغلقت؟
الشبكة ما تزال تتحرك
لم تنته القصة بإغلاق الشركة البريطانية.
في مصر، تبدو Castries نشطة الآن.
وتظهر بيانات صفحة فيسبوك باسم «كاستريز للتجارة العامة» أنها أُنشئت في 28 أغسطس 2026، وتضع موقعها في مدينة بدر، وتستخدم رقماً مصرياً للاتصال وواتساب، وبدأت في نشر عروض تبحث عن تجار ومستوردين للسمسم بكميات كبيرة.
ويتطابق موقع النشاط مع المدينة التي يظهر فيها الفرع الصناعي للشركة في السجل المصري، فيما تعرض مواقع Castries منتجات تشمل السمسم والقطن ومحاصيل أخرى.
والتوقيت لافت.
ففي الفترة نفسها تقريباً التي عاد فيها اسم مهند إلى المجال السياسي عبر لجنة الحوار، بدأت الشركة المرتبطة به في مصر حضوراً عاماً جديداً على فيسبوك.
المصادفة الزمنية وحدها لا تكفي لتفسير العلاقة بين الأمرين. استمرار نشاط الشركة يؤكد أن الملف ما يزال مفتوحاً، وليس أرشيفاً لأعمال انتهت قبل سنوات.
السؤال الذي لم تعد اللجنة تستطيع تجاوزه
القصة بدأت من عضوية لجنة.
لكن السجلات نقلتها إلى مكان آخر.
نحن أمام رجل كان رئيس دائرة وسط أفريقيا ومسؤول ملف جنوب السودان في المؤتمر الوطني، بينما يعود أقدم نشاط تجاري معلن يديره إلى عام 2012.
ثم تظهر بعد ذلك شركات وشراكات في السودان والإمارات ومصر والسويد وبريطانيا.
وتتقاطع داخلها أسماء متكررة وأدوار تتراوح بين المدير العام والشريك والمؤسس، بينما لا تزال ملكية أهم عقد الشبكة، وعلى رأسها Pan Pro الإماراتية وPro السودانية، غير واضحة بالكامل من المصادر العامة.

ولهذا أرسلت «سودان ستوري» إلى مهند عوض قائمة تفصيلية من الأسئلة تناولت عضويته السابقة في المؤتمر الوطني، وكيفية الفصل بين موقعه السياسي وأعماله، وملكيات Pro وPan Pro وCastries، وجنسية سانت لوسيا، وشركاءه في مصر وبريطانيا والسويد، وأي نشاط للشركات في جنوب السودان.
لم يرد مهند عوض على أسئلة «سودان ستوري» حتى وقت النشر، رغم إرسالها إليه مباشرة وإتاحة الفرصة للرد.
كما لم يرد الناطق باسم لجنة الحوار عثمان ميرغني على أسئلة سبق أن وجهتها إليه «سودان ستوري» بشأن عضوية مهند وخلفيته والجهة التي رشحته ومعايير اختياره.
الصمت لا يقدم إجابات. هو يعيد السؤال إلى اللجنة التي ناقشت خلفية مهند ثم أجازت عضويته:
كم كانت تعرف عن الرجل الذي اختارته؟
وربما يصبح السؤال الأكبر الآن خارج اللجنة نفسها.
فما تكشفه السجلات في هذه المرحلة ليس مجرد سيرة رجل انتقل من السياسة إلى التجارة، وإنما مسار أعمال بدأت جذوره أثناء حكم المؤتمر الوطني، ثم اتسعت خريطته خارج السودان خلال السنوات التي أعقبت سقوط النظام.
وما لا تكشفه السجلات حتى الآن هو الجزء الأكثر أهمية: من يملك الشبكة كاملة؟ ومن أين جاءت رؤوس أموالها؟ وما العلاقة الفعلية بين الكيانات التي تحمل أسماء مختلفة في دول مختلفة؟
هذه هي الأسئلة التي ستواصل «سودان ستوري» تتبعها.
وربما تكون الإجابات خارج السجلات الرسمية نفسها.

