إعداد: سودان ستوري
أسباب التوقيف لا تزال غير معلنة، وأسرة رئيس تحرير «السوداني» تطلب إفساح المجال للمساعي، فيما يتحفظ زملاؤه الأقرب وأعضاء في نقابة الصحفيين على الحديث، وتتعدد الروايات حول ما نشره قبل احتجازه.
أربعة أيام مضت منذ أن اقتادت السلطات المصرية رئيس تحرير صحيفة «السوداني» عطاف محمد مختار من منزله في القاهرة فجر الثلاثاء، من دون إعلان رسمي يوضح سبب توقيفه أو وضعه القانوني.

ومع امتداد فترة الاحتجاز، لم يعد الغموض محصوراً في موقف السلطات المصرية. فقد أحاط الصمت أيضاً بالدائرة الأقرب إلى عطاف، بينما انتقلت أصوات صحفية خارج هذه الدائرة من التضامن العام إلى السؤال صراحة عن مكانه وسلامته وأسباب استمرار احتجازه.
وكتبت مديرة مكتب قناة «العربية» في السودان لينا يعقوب، مطالبة السلطات المصرية بطمأنة أسرة عطاف وإتاحة حقوقه القانونية والإنسانية، فيما قالت الصحفية شمائل النور، الخميس، إن السلطات المصرية تحتجز عطاف «لليوم الرابع توالياً» من دون توضيح الأسباب.
لكن الصورة تبدو مختلفة داخل القاهرة.
تحدثت «سودان ستوري» إلى عدد من الصحفيين المقيمين في العاصمة المصرية، بينهم زملاء قريبون من عطاف، إضافة إلى أعضاء في المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين السودانيين. وطلب جميع من تحدثوا حجب أسمائهم.
وتقاطعت إفاداتهم عند أن أسرة عطاف طلبت من زملائه والجهات المهنية عدم التحدث إلى وسائل الإعلام عن تفاصيل القضية، وإفساح المجال أمام مساعٍ جارية للإفراج عنه.
وعندما انتقلت الأسئلة إلى أسباب التوقيف، أصبح التحفظ أكبر.

وقال أحد أعضاء المكتب التنفيذي للنقابة إن متابعة تجري للقضية، لكنه امتنع عن تقديم تفاصيل، ملتزماً بطلب الأسرة. كما أبدى صحفيون مقيمون في القاهرة حذراً واضحاً من الحديث إلى «سودان ستوري»، وقال بعضهم إن وضعهم في مصر «غير آمن» بما يسمح بالخوض في ملف بهذه الحساسية.
يكشف هذا التحفظ مستوى القلق داخل الدائرة الأقرب إلى القضية، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات وجود تضييق ممنهج على الصحفيين السودانيين في مصر.
نقابة تتابع بصمت
حتى وقت نشر هذا التقرير، لم تصدر نقابة الصحفيين السودانيين موقفاً علنياً بشأن احتجاز عطاف، رغم مرور أربعة أيام.
لكن مصادر داخل مكتبها التنفيذي تقول إن هذا الغياب عن المجال العام لا يعني غياب المتابعة، وإن طلب أسرة عطاف إفساح المجال للمساعي كان عاملاً أساسياً في عدم التوسع إعلامياً.
ويكتسب هذا الصمت دلالة إضافية عند مقارنته بواقعة الصحفية درة قمبو قبل أشهر، عندما أصدرت النقابة بياناً علنياً بشأن منعها من دخول مصر واحتجازها في مطار القاهرة قبل إعادتها إلى البلد الذي قدمت منه.
في حالة عطاف، تبدو المعادلة أكثر حساسية، إذ تتابع النقابة القضية من الخلف بينما تطلب الأسرة الصمت ويتحفظ الصحفيون القريبون منها على الكلام، في وقت لا تقدم فيه السلطات المصرية تفسيراً علنياً لما حدث.
منشور لم يعد ظاهراً
قبل أيام من توقيفه، كتب عطاف على منصة «إكس» منشوراً شديد الحساسية تحدث فيه عن «معلومات خطيرة» يجري تداولها داخل الغرف المغلقة للسلطة القائمة في بورتسودان، وقال إنها تكشف عن «تواطؤ شخصية رفيعة المستوى مع العدو».
واتهم عطاف تلك الشخصية، من دون تسميتها، بتزوير تقرير يتعلق بمزاعم استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وربط ما وصفه بالتواطؤ بطموحات سياسية وصراع على السلطة.
وتحتفظ «سودان ستوري» بصورة للمنشور، لكنها لم تتمكن من العثور عليه لاحقاً في حساب عطاف.

ولا توجد معلومات تثبت أن المنشور أُزيل بسبب توقيفه، أو أنه كان السبب المباشر في الإجراء المصري.
لكن أهميته ازدادت بعدما قال رئيس التحرير السابق لصحيفة «السوداني» ضياء بلال إن المعلومات التي توافرت لديه تشير إلى أن الأمر «يتعلق بالنشر على مواقع التواصل الاجتماعي»، وأضاف أن الإفراج عن عطاف كان متوقعاً خلال ساعات.
ومرت تلك الساعات، ثم أيام، من دون أن يتحقق التوقع.
روايات متنافسة
منذ الساعات الأولى للاحتجاز، ظهرت أكثر من رواية تحاول تفسير ما جرى.
الصحفي عبد الماجد عبد الحميد نشر أن «معلومات وأخباراً أولية من داخل السفارة السودانية بالقاهرة» تشير إلى
بلاغات إماراتية في مواجهة عطاف. ولم يقدم المنشور تفاصيل عن طبيعة تلك البلاغات أو الجهة التي تلقتها، ولم تتمكن «سودان ستوري» من التحقق من الرواية بصورة مستقلة.

ولم يعد المنشور ظاهراً على صفحة عبد الماجد عند مراجعتها لاحقاً، بينما كانت مواقع إخبارية قد نقلت مضمونه.
في المقابل، قال صحفي سوداني مقيم في القاهرة لـ«سودان ستوري» إنه لا يستبعد أن يكون توقيف عطاف قد جرى بإيعاز من جهة داخل السلطة القائمة في بورتسودان.
واستند المصدر في تقديره إلى ما نشره عطاف قبل أيام عن «تواطؤ» داخل المجموعة المحيطة بقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لكنه لم يقدم دليلاً مباشراً على وجود طلب سوداني للسلطات المصرية.
ولم تتمكن «سودان ستوري» من إثبات هذا الاحتمال بصورة مستقلة.
وقال مصدر صحفي آخر إن الوسط الصحفي في القاهرة يتداول معلومات عن اتصالات جارية على مستوى رفيع بين مكتب البرهان والجانب المصري بهدف إطلاق سراح عطاف، وإن الإفراج عنه كان متوقعاً مساء الأربعاء.
ولم تتمكن «سودان ستوري» من التحقق من طبيعة هذه الاتصالات أو مستواها.
حديثان من موقعين مختلفين
وتزامن منشور عطاف بصورة لافتة مع تصريحات أدلى بها عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان بشأن التسريبات المتعلقة بملف الأسلحة الكيميائية.
وقال الفكي في مقابلة مع «سكاي نيوز عربية» إن المعلومات التي وصلت إلى وسائل الإعلام الأميركية خرجت، وفق روايته، من داخل السلطة ومن دوائر قريبة من البرهان ومكتبه.

ولا يشكل حديث الفكي دليلاً على صحة ما كتبه عطاف، كما أن الرجلين ينطلقان من موقعين سياسيين مختلفين إلى حد كبير.
لكن تقاطع الحديثين عند وجود معلومات أو صراع داخل الدائرة المحيطة بقيادة السلطة القائمة في بورتسودان يجعل ما نشره عطاف قبل توقيفه جزءاً يصعب تجاهله عند محاولة فهم السياق.
مع ذلك، لا تزال الحقائق الأساسية قليلة والروايات كثيرة: حديث عن منشورات على مواقع التواصل، ورواية عن بلاغات إماراتية، واشتباه لدى مصدر في دور للسلطة القائمة في بورتسودان، ومعلومات عن تدخل منها في الاتجاه المعاكس للإفراج عنه.
وبين هذه الروايات، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن صحفياً اقتيد من منزله في القاهرة قبل أربعة أيام، من دون أن تعلن الجهة التي تحتجزه سبب الإجراء أو وضعه القانوني.
وكلما طال الاحتجاز، يزداد إلحاح السؤال عن المادة التي أثارت الاعتراض إذا كانت قضية عطاف مرتبطة فعلاً بما نشره، وعن الجهة التي تقدمت بالشكوى، بينما يبقى اللافت أن الأقرب إلى معرفة الإجابة هم الأقل قدرة على قولها.

